جاء تراجع الاتحاد الأوروبي أمس عن إحالة ملف البرنامج النووي الإيراني المثير للجدل إلى مجلس الأمن؛ بمثابة فرصة وبادرة أمل جديدة لاستمرار الحوار الايراني - الغربي في هذا الملف الشائك من أجل التوصل إلى حلول بديلة؛ خاصة أن هذا العدول المفاجئ يعكس إدراك الأوروبيين أن مثل هذه الخطوة لا طائل منها؛ وأنها مجرد زيادة في تصعيد الأزمة فى هذا التوقيت بالذات؛ حيث تتصاعد حدة المعارضة الدولية الصادرة بوجه خاص من روسيا والصين ومجموعة عدم الانحياز والجامعة العربية للموقف الغربى المتشدد من الملف الإيرانى؛ يضاف إلى ذلك التحذيرات الجادة من طهران بشأن إلغاء البروتوكول الاضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ ووقف عمليات تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ وبدء عملية تخصيب اليورانيوم بدون الموافقة الدولية.

وباعتقادنا أن الحلول الدبلوماسية للملف النووي الإيراني ليست بالعسيرة أو المستحيلة؛ ولعل النموذج الكوري الشمالي الذى شهد ملفه النووي خلال الأيام الماضية تحلحلا ملحوظا؛ وصل إلى حد الاتفاق على وضع حل دبلوماسي لتداعياته، خير مثال على ذلك؛ شريطة أن تنحي الإدارة الأميركية جانبا سياسات الكيل بمكيالين التي تصر على انتهاجها بهذا الخصوص؛ خاصة فى ما يتعلق بأنشطة إسرائيل النووية؛ وترجئ حديثها عن خياراتها العسكرية ضد إيران وتكف عن ممارسة ضغوطها على طهران ومفاوضيها، سواء داخل الأسرة الاوروربية؛ أو في الوكالة الدولية للطاقة الذرية للدفع بالقضية دفعا إلى أروقة مجلس الأمن؛ سعيا لإصدار قرار لا يخدم فى المقام الأول سوى توجهات وسياسات واشنطن فى المنطقة حتى إذا كان هذا القرار محفوفا بمخاطر الموت والدمار؛ فى ظل إمكانية تكرار السيناريو العراقي مع إيران فى حالة إحالة ملفها لمجلس الأمن واستخدام الصين وروسيا حق الفيتو، مما قد يدفع واشنطن الى القضاء على البرنامج النووي الإيراني من خلال ضربات عسكرية.

واللافت أن هذا العدول الأوروبى تزامن مع اعتبار وزراء الخارجية الفرنسي والالماني والبريطاني اعضاء «الترويكا» الأوروبية التي تتفاوض مع إيران أمس في صحيفة «لوموند» الفرنسية أن «مخاطر انتشار الأسلحة النووية مرتفعة جداً» إذا ما «واصلت» إيران سياستها النووية الحالية. حيث كتب وزراء خارجية الدول الأوروبية الثلاث، الفرنسي فيليب دوست بلازي والالماني يوشكا فيشر والبريطاني جاك سترو، في المقالة التي وقع عليها أيضا خافير سولانا الممثل الاعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي «ان مخاطر انتشار الأسلحة النووية ستكون مرتفعة جداً إذا ما واصلت إيران السير في الطريق الذي تسلكه حاليا». واعتبر الموقعون على المقالة أن «الشرق الأوسط وآسيا الوسطى هما منطقتان من الأكثر دقة في العالم وقد يتزعزع استقرارهما». وأكدوا أن «دولاً أخرى قد تسعى الى تطوير قدراتها النووية الخاصة وستتأثر معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية بشكل خطير». واعتبرت الترويكا أن «هناك دوافع جدية تدعو إلى الشك في ان تكون الطموحات النووية الايرانية سلمية حصرا».

أياً كانت طبيعة دوافع الأوروبيين وراء هذا العدول عن تصعيد الملف الايراني فإننا نأمل أن تعطى الأولوية للحوار الدبلوماسي باعتباره مفتاح الحلول لمثل هذه القضايا وتلك الملفات؛ بدلاً من التورط فى قرارات مجنونة لن تجر سوى الخراب والدمار، وليتعظ الجميع من مأساة وفضيحة العراق.