صورة العالم اليوم وبعد مرور ستين عاماً على إنشاء منظمة الأمم المتحدة صورة قاتمة سوداء تبعث على التشاؤم والحسرة لأسباب عدة من أهمها: أن المنظمة فشلت في تحقيق الكثير من وعودها وأهدافها وأنها لم تحقق أحلام مؤسسيها الذين كانوا يرون في المنظمة منبرا للحرية والديمقراطية والأمن والسلام في العالم. فالحروب والنزاعات تنتشر اليوم في أماكن عدة من العالم.

الجهل والفقر والحرمان والأوبئة والأمراض الفتاكة ما زالت تنتشر في العديد من الدول. برامج التنمية التي سطرتها المنظمة منذ الخمسينات إلى الساعة لم تحقق أهدافها، العالم أصبح أقل أماناً مما كان عليه في القرن الماضي والإرهاب أصبح لغة العصر ينتشر في جميع أنحاء المعمورة ويضرب أي هدف بدون سابق إنذار.

بعد ستين سنة على إنشائها تواجه المنظمة الأممية انتقادات حادة ودعوات مكثفة للتغيير والتجديد والإصلاح لمواكبة التطورات والتغيرات التي شهدها العالم خلال الستة عقود الماضية. والسؤال الذي يطرحه الكثيرون هو هل المنظومة العالمية بحاجة إلى منظمة الأمم المتحدة؟ وماذا قدمته هذه المؤسسة من أجل محاربة الفقر والجهل والاستعمار والأمراض والأوبئة؟ ففي مجال التنمية فشلت معظم المشاريع التنموية في دول العالم الثالث التي عانت من الاستعمار وانعكاساته السلبية في جميع المجالات.

فالهوة بين الشمال والجنوب تزداد يوما بعد يوم وهناك أكثر من مليار نسمة يعيشون في فقر مدقع، 900 مليون منهم يعيشون على أقل من دولار في اليوم. فمعظم الدول المتقدمة لم تحترم التزاماتها نحو الدول الفقيرة ولم تقدم المساعدات وتساهم في توفير شروط التنمية والتطور. في مجال تصفية النزاعات والحروب ما زالت نقاط عديدة من العالم تعاني من حروب ونزاعات سواء أهلية أو بين الدول، تحت أنظار منظمة الأمم المتحدة التي لم تستطع أن تضع حدا لمشكلات عديدة.

السؤال المطروح هو هل تحتاج المنظومة الدولية إلى منظمة الأمم المتحدة في عالم تحكمه القطبية الأحادية وتديره أميركا بطرقها الخاصة وفق ما تقتضيه مصالحها؟ الأمم المتحدة لم تحقق على الإطلاق الأهداف التي سطرها الزعماء الذين أسسوها بعد الحرب العالمية الثانية. المنظمة فشلت في دارفور كما فشلت في رواندا. أما بالنسبة للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي فحدث ولا حرج، فالكيان الصهيوني يمارس القتل والعنف والجريمة وإرهاب الدولة أمام مرأى ومسمع مبعوثي المنظمة الدولية وقرارات الجمعية العامة للمنظمة، ولا حياة لمن تنادي. كما فشلت المنظمة كذلك في البوسنة وفي نزاع الصحراء الغربية ��في الصومال.. والقائمة قد تطول.

منظمة الأمم المتحدة تواجه اليوم أكثر من أي وقت مضى مشكلة الإرهاب والتي تعتبر من أخطر القضايا التي يواجهها العالم برمته. كما تواجه المنظمة مشكلة صراع الحضارات، الصراع بين الغرب والشرق، أو الصراع بين الغرب والإسلام. فالحرب على العراق تعتبر جريمة ضد الإنسانية بمؤازرة وموافقة المنظمة الأممية. فادعاءات أميركا لإعلان الحرب على العراق كانت كلها مغرضة وكاذبة ورغم ذلك نجد معظم الدول الغربية تساند وتؤازر الأميركيين.

فأميركا التي تدفع 20 في المئة من ميزانية منظمة الأمم المتحدة تستعملها كجهاز سياسي عالمي لتحقيق أهدافها ومصالحها عبر العالم. ما يعاب على منظمة الأمم المتحدة هو كون قرارات الجمعية العامة، قرارات غير ملزمة وفي غالب الأحيان لا تطبق في أرض الواقع. والقرارات النافذة هي تلك التي تنحصر في أعضاء مجلس الأمن الخمسة والذين يتمتعون بحق «الفيتو».

هناك من طالب بتوسيع مجلس الأمن وفتح الباب أمام كل من اليابان وألمانيا والهند والبرازيل، لكن المشروع فشل أمام معارضة الأفارقة الذين يطالبون هم بدورهم بمقعدين. وأمام هذه المطالب تصر أميركا في حالة قبول أعضاء جدد في مجلس الأمن بعدم تمتعهم بحق زالفيتوس.فشلت منظمة الأمم المتحدة وإلى حد الساعة في وضع تعريف شامل ومانع للإرهاب كما أنها فشلت في جعل المنظمة الدولية منظمة ديمقراطية تخدم مصالح شعوب العالم بدون تمييز، وأخيرا فشلت المنظمة في كل ما وعدت به إزاء الفقر والقضاء عليه في ربوع العالم. قمة العالم الأخيرة تعتبر فاشلة لعدة اعتبارات.

ورغم أنها تقدمت بوثيقة ناقشت من خلالها موضوع التنمية والإرهاب وحقوق الإنسان وحفظ السلام ولجنة لترسيخ السلام وبطريقة محتشمة، ناقشت القمة كذلك موضوع إصلاح إدارة الأمم المتحدة وتوسيع مجلس الأمن. كثر الكلام في القمة عن الإرهاب وضرورة محاربته والتعاون والتكاتف الدوليين من أجل احتوائه، بدون التوصل إلى وضع تعريف شامل ومانع يتفق عليه الجميع. أما عن موضوع الفقر وديون الدول النامية فتنصلت الدول الواعدة والتي ألزمت نفسها في مواعيد سابقة بالمساهمة في تخفيض الفقر إلى النصف.

والتناقض الذي تقع فيه منظمة الأمم المتحدة والدول العظمى هو التعهد بمحاربة الإرهاب لكن دون التكفل بمعالجة أسبابه وظروف انتشاره وتفشيه في العالم. فالفقر والجهل والظلم الأسباب الحقيقية التي تفرز الإرهاب، الأمر الذي يجب أن تنتبه إليه منظمة الأمم المتحدة وكذلك الدول العظمى وخاصة الولايات المتحدة الأميركية التي تصول وتجول في العالم كما يحلو لها بدون إعطاء أدنى اعتبار لدول العالم الأخرى خاصة بعد انهيار الثنائية القطبية.

قمة العالم في نيويورك فشلت في وضع أجندة عملية لإصلاح منظمة الأمم المتحدة، كما فشلت في وضع استراتيجية لتضييق الهوة بين الشمال والجنوب وفشلت كذلك في تحديد الآليات العملية لمكافحة الفقر والجهل والأوبئة والأمراض في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. ففي العالم اليوم هناك شعور بالظلم والابتزاز والاستغلال.

فبعد استنزاف ثروات الدول المغلوبة على أمرها والتي اُستعمرت بالأمس، وبعد التجاوزات العديدة التي تُرتكب يوميا باسم الحرب على الإرهاب ضد الأبرياء والمغلوب على أمرهم، وبعد الصراع العنيف بين الحضارات والثقافات والديانات وبعد التزييف والتضليل وحرب الأفكار، والحرب النفسية والدعاية، تنتشر أكثر فأكثر أسباب الحقد والكراهية والإرهاب. والضحية في آخر المطاف هي الشعوب المغلوب على أمرها التي لا حول ولا قوة لها. هذه الشعوب التي تُستعمل مع الأسف الشديد كأرقام من قبل حفنة من صناع القرار يرسمون مصير مئات الملايين بجرة قلم بدون أدنى اعتبار للأخلاق والقيم والمبادئ الإنسانية.

أستاذ الإعلام ـ جامعة الشارقة