إن مفهوم كلمة الجامعة مفهوم محوري وجامع لعناصر حيوية مختلفة. فالجامعة ليست فقط بنيانا، ولكنها وقبل كل شيء هي مركز تعليمي وبحثي، ومنارة تعكس المستوى الحضاري والثقافي للفضاء الذي تسكنه. هي نسق دائم الحركة والفاعلية والتطور؛ وحالة الفاعلية والتطور التي تتسم بها الجامعة ليست مقصورة ولا هي محدودة بالفضاء المادي لها، بل أنها دائما ما تلقى بظلالها على المجتمع المحيط.

فهي «الجامعة» لأبناء الوطن وهي «الجامعة» لقضايا هذا الوطن وهمومه، ولها حرمة «الجامع» وقدسيته، وتهدف لرفاه «الجماعة» والرقي «بالمجتمع» الوطني. والتعليم العالي يستمد علوه بحكم اعتلائه مقدمة الهرم التعليمي والمجتمعي، وبحكم علو قيمته وقيمة عناصره المكونة له (أساتذة وطلابا)، وبحكم علو مقاصده وغاياته الكبرى. وبهذا الاعتبار تشكل الجامعة وما تقدمه من تعليم عال النسيج المعرفي والوجداني للمنتسبين إليها، فهي تعلم القيم والاتجاهات، وتصقل الميول والرغبات وتوجهها الاتجاه الصحيح، تؤسس المهارات الحياتية المختلفة، كما أنها تطلق عنان السؤال واكتشاف خبايا المعرفة.

وبناء عليه تنقل الأفراد والجماعات لمستويات حياتية نوعية. ولكي تحقق أية جامعة أهدافها الكبرى هذه لابد من توافر عناصر مهمة مختلفة. فبالإضافة للمكان والمعدات والتقنيات والطالب، الذي يشكل محور العملية التعليمية، لابد من توفر الأستاذ الجامعي الملتزم علميا وأخلاقيا برسالة وأهداف الجامعة التي ينتسب إليها، وبقيم وأخلاق مهنة التعليم والبحث العلمي. فإذا كان الطالب محور العملية التعليمية فٌإن الأستاذ هو أهم عناصر القاعدة التي تتحقق بها ومن خلالها كل الغايات الكبرى للتعليم، وهذا محور تركيزي في هذا المقال.

المتأمل لحال الكثير من جامعاتنا سوف يجد أنها تزخر بالكثير من الأساتذة غير الملتزمين الالتزام الحق بأخلاقيات مهنتهم. فالغالبية العظمى اليوم من الأساتذة في المؤسسات التعليمية لا يربطهم بهذه المؤسسات إلا سبب واحد، وهو الفائدة المادية بكافة أشكالها؛ سواء كانت على شكل الراتب الشهري أو استمرار تجديد العقد أو الحظوة ببعض التكليفات ذات المردود المادي. وهذا هدف مشروع ولا غبار عليه، ولكنه عندما يتحول إلى أن يكون هو الدافع الرئيس وهو الفاصل لكل الأمور، تتحول كل القيم التعليمية الأخرى إلى هامش ويصبح الإحساس الأصيل بالمسؤولية تجاه مسيرة العملية التعليمية ليس بذي أو��وية.

إضافة إلى ذلك، عضو التدريس المسكون فقط بتأمين الراتب الشهري وتجديد العقد لا يتوانى عن مجاملة ومسايرة المسؤول عن بقائه؛ وتداس مقابل ذلك قيم تعليمية وإنسانية كثيرة. وبدلا من أن يؤدي الأستاذ واجبه بروح العابد الخاشع يؤديه إما خوفا ورهبة، أو بروح الإنسان المادي الجشع. وبدل من أن يؤدي عمله مرضاة لله تعالى نجده يؤديه مرضاة لمن يعتقد أن في يديه سلطة استمراره في المؤسسة؛ وهذه مسألة متناقضة مع القداسة الخاصة لهذه المهنة.

وبدل أن يكون الأستاذ صاحب رأي وموقف في قضايا المجتمع ومشكلاته المتنوعة، ساعيا لتطوير نطاق ثقافته وتنويعها وذلك من أجل أن يكون قادرا على تكوين رأي ناضج بقضايا المجتمع الذي يعيش فيه، نجده لا يقرأ حتى الجريدة اليومية، ومواقفه وقتية متحولة بتحول من بيده السلطة حتى ولو كان ذلك ضد المصلحة العامة.

وبدلا من أن يكون صادقا، عادلا، ومحترما لزملائه وما يقومون به من نشاطات علمية وبحثية، نجده يراقب بحذر وخوف جميع الزملاء، متحيناً الفرصة للطعن أو الإيقاع بأي واحد منهم قد يشكل خطرا على وجوده واستمراره. وبدلاً من أن يكون مشغولاً بتطوير نفسه علميا وأدبيا، وتحريك الجو الثقافي وتعزيزه، نجده لا يدخر وسعا في النأي عن المعرفة والتطورات العلمية المختلفة في مجاله.

ومن الجدير أن نذكر هنا أن اللوم لا يقع على عضو هيئة التدريس فقط، ولكن أيضا على المسؤول عن عملية الاختيار لمثل هؤلاء المدرسين، وعلى نظام المؤسسة وأساليبها المتخذة لتوقيع العقود وتجديدها، والذي يهيئ أحيانا بعض أصحاب النفوس الضعيفة أو الأنانيين مفتقري حس المسؤولية الاجتماعية للتصرف بشكل أناني مع المؤسسة التعليمية التي ينتمون إليها.

والسؤال الحاسم هنا هو كيف سيكون حال المؤسسات التعليمية التي تزخر بمثل هذه الفئات المنعدمة الشعور بالمسؤولية، المضادة للتعليم والمجتمع على حد سواء؟ كيف نتوقع أن ترتقي مؤسساتنا التعليمية على يد هذه الفئة من حاملي رسالة التعليم وهم لا تعنيهم هذه المؤسسة في شيء سوى أنها تؤمن لهم الضمان المادي؟ وكيف نتوقع من هذه الفئة أن تزرع علما أو أخلاقا في الطلبة، ونحن جميعنا نعرف أن فاقد الشيء لا يعطيه؛ والطالب بالنسبة لهؤلاء لا يشكل محور العملية التعليمية ولكنه محور لعمليات أخرى غير تعليمية ولا تمت للتعليم بصلة.

كيف نتوقع أن نؤمن قضية أمن قومية (وهي التعليم العالي) على أيدي مثل هذه الكوادر؟ أو ليس التعليم العالي أفضل استثمار للرأس المال البشري؟ أفليس هو الذي يؤسس القدرات والكوادر العلمية والبحثية التي تسهم في مواجهة تحديات الأمة التنموية، الحضارية والعالمية؟ أفليس التعليم هو فضاء التنشئة على المواطنة، وأهم آلية للحراك الاجتماعي والتطور والتعبير الثقافي؟ كيف إذن ستتحقق هذه الأهداف على أيدي هذه الفئة غير المعنية والجاهلة أو المتجاهلة أساسا أهمية هذه المبادئ.

ان أهداف التعليم لا تتحقق «باللاب توب» أو «البلاك بورد» و«الداتا شو» فقط، فهذه كلها أمور مساعدة، ولكن بالمعلم الأمين، الحريص، الملتزم علميا وأخلاقيا، المحترم لعلمه ومهنته، والقابض على المعرفة العلمية الحقة والمهارة، القادر، إن لم يكن المفتاح الأساس، على دخول وزرع السؤال في أشد العقول انغلاقا..... فأين نحن من هؤلاء؟

جامعة الإمارات