ما قاله الأمير سعود الفيصل، وزير خارجية المملكة العربية السعودية، أمام مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك، بخصوص العراق؛ ليس أقل من دقّ لناقوس الخطر، ليس أقل من صرخة لاستدراك الأمور، قبل أن تهوي من الحافة إلى القاع؛ مع كل ما يترتب على ذلك من آثار وتداعيات مدمرة، للبلد وجواره، وبالذات للجوار العربي.
لقد حذّر الوزير من أن «العراق يمر بمرحلة حاسمة»؛ لافتاً الى أن المسألة ليست في وضع من دستور جديد ولا في انتخابات؛ لن يحلّ إجراؤها المشكلة. ولتكون الرسالة واضحة، أضاف أنه: «إذا حصلت حرب أهلية في العراق فإنه سيدمّر إلى الأبد وستدفع المنطقة كلها إلى كارثة.. ونحن العرب سننجر إلى الصراع»! كلام يضع النقاط على الحروف، وتنبع أهميته وخطورته من:
1ـ كونه صادراً عن الوزير الفيصل بالذات.
2ـ كون صاحبه تعمد قوله في أميركا وأمام أميركيين، فعندما تتحدث الدبلوماسية السعودية، المعروف عنها ابتعادها عن الأضواء والتزامها الصارم بالممارسة عبر القنوات المتعارف عليها، بهذه الصراحة والوضوح؛ فلا بد وأن تكون الأمور ـ على الأقل في نظرها ـ قد بلغت الخطوط الحمراء وتتحفّز لتجاوزها.
إن مخاطبة الأميركيين بهذه العلنية التحذيرية وبلغة خالية من أي التباس؛ تعني رمي الكرة بملعبهم ومحاولة لتحميلهم ـ وعن حق ـ سلفاً مسؤولية الخراب المقبل؛ إذا ما بقي الوضع العراقي محكوماً بمساره الانحداري الراهن.
لكن لهذه المخاطبة جانبا آخر ضمنيا ولو غير مباشر، فهي بوضوحها وعلنيتها وطابعها الاستعجالي ـ باعتبارها بمثابة تنبيه آخر لحظة ـ تبدو وكأنها مطروحة أيضاً برسم العرب. فالحديث عن انشقاق عراقي أهلي تناحري، لم يعد كلاماً إعلامياً ولا لغة تهويل مبالغاً فيها. لقد باتت خطراً يهدد بلاد الرافدين ويكبر شبحه يوماً بعد يوم. الأميركيون يشيرون إلى احتمالاته المتزايدة، الجوار يعرب بلا لبس عن مخاوفه من حدوثه، قوى عراقية متعددة باتت تخشى من الوقوع في فخّه، والخطاب الفئوي المذهبي يطفو أكثر فأكثر على السطح، وبالرغم من كل ذلك ومن حالة النزف المتعاظم، يومياً.
يبدو الوضع العربي وكأنه في عالم آخر، لا حراك ولا مبادرة ولا تعامل مع هذا الخطر الزاحف على أنه أولوية تفرض نفسها، على الأقل لأن شظاياها تهدد جدياً وبأفظع العواقب ـ كما أوضح الوزير السعودي ـ المنطقة العربية برمتها، فحق الدفاع عن النفس وضرورة التحوط، يقضيان المبادرة إلى عمل وقائي استباقي لدرء «البلاوي» التي تختزنها الحالة العراقية الملتهبة وتهدد بتفجيرها، في المدار الإقليمي. فهذه لحظة استدراك إذا فاتها قطار الزمن، لن تتكرر، والتاريخ لن يرحم.