الانتقادات غير المسبوقة التى وجهها وزيرالخارجية السعودي الامير سعود الفيصل امس الى سياسة الولايات المتحدة الاميركية فى العراق، لامست عصب الحقيقة وصبت كثيرا من الملح على جراح هذا البلد الغائرة، وهي تؤكد على جملة من الحيثيات المؤلمة التى وضعت وحدة العراقيين فى مهب الريح.

لم يكن الفيصل بعيدا عن الواقع وهو يتحدث عن جملة من الحقائق بوضوح جارح، لم يعمد الى"تجميل الواقع" انصياعا لبروتوكول السياسة فجاءت كلماته صقيلة بائنة، وضعت النقاط على الحروف. وكانت تأكيداته على ان سياسة الولايات المتحدة في العراق تعمق الانقسامات الطائفية الى حد أنها تسلم البلاد فعليا لايران، مستصحبة لكثير من الحقائق الى تستند إلى معطيات الواقع العراقي وهو يتحول الى ساحة للحرب الاهلية، تمزقه اهواء القبلية والطائفية وتعصف به تراكمات المظالم القديمة، بعد ان هيأته السياسة الاميركية ليكون بلدا لتصفية الحسابات وتوفير مقومات ابادة الآخر. وكان الفيصل صادقا وهو يوجه الدعوة الى الولايات المتحدة حتى تعمل على لم شمل العراقيين بدلا من ان تقاتل تمردا للعرب السنة ضد قواتها، فى ذات الوقت الذى تساند حكومة عراقية يقودها الاكراد والشيعة. ومهما حاولت الولايات المتحدة التستر تحت غطاء البحث عن المشتبه بهم اوالتحرك بمظلة البحث عن زعيم القاعدة ابو مصعب الزرقاوي فإن الحقائق الماثلة تؤكد ان قواتها تقود حربا ضد السنة بدأت منذ ايام الفلوجة التى غرقت بدماء اهلها وامتدت حتى معارك تلعفر، غير آبهة بما يمكن ان يجره مثل هذا التوجه على بلد مثل العراق . ولعل الاشارة الى ايران فى تصريحات الفيصل تسترعي كثيرا من الانتباه ذلك كونها عنصرا فاعلا فى تطورات الوضع فى العراق باعتبار موقعها الجغرافي وصلاتها بالاطراف العراقية. غير ان التصريحات كشفت عن حقائق خطيرة لابد للولايات المتحدة والمسؤولين العراقيين من التعامل معها بوعي يستصحب تعقيدات الواقع العراقي وإلا فإن العراق سيكون مهددا بالزوال.

ومهما يكن من امر فان ما اشاراليه الفيصل بشأن "ايرانيين يذهبون الى المناطق التي تؤمنها القوات الامريكية ويدفعون أموالا.. وينصبون اناسهم بل وينشئون قوات للشرطة ويسلحون الميليشيات التي هناك." تكشف عمق الدوامة التى آل إليها حال الوضع فى العراق منذ دخول الاحتلال الذى هيأه ساحة لتصفية الحسابات، وجعله عنصر مقايضة فى منظومة السياسة الدولية على نحو لا يستصحب مصلحة ابنائه ولا يأبه بمستقبله كوطن مهم ومؤثر فى المنطقة.

ان السياسات الى تحدث عنها سعود الفيصل كفيلة باشعال حرب اهلية فى العراق ستنهي حتما بتفتيته ومحوه من الوجود وهو مصير لم يعد بعيداً قياساً بما آلت اليه الامور من تعقيدات امنية فى هذا البلد.وحري بنا التذكير هنا بان ناقوس الخطر قرع منذ وقت بعيد غير ان الولايات المتحدة الاميركية ماضية فى انفاذ سياستها المعمقة للانقسامات فى العراق، متجاوزة كافة التحذيرات وسادرة بأجندة ترسم كل يوم واقعا دمويا جعل مستقبل هذا البلد فى مهب الريح ,ومن الاجدى ان تنصاع واشنطن الى النداءات المطالبة بنهج سياسي عميق يوجد معالجات جذرية لتدهور الاوضاع فى العراق ويجمع شمل اهله وينهي دوامة الاحتلال التى جلبت له كل هذا الدمار.