خارج التحالفات الكبرى الكلاسيكية بين دول الأطلسي، والمنظومة الاشتراكية، سعى الحلفان إلى خلق مثيل أصغر في تحالفات إقليمية تدار بواسطة هذه القوى، والمنطقة العربية شهدت حلف بغداد كبادرة أولى ثم تلاحق فتح الجبهات بين الغرب والشرق لضم أكبر دول المنطقة، ثم كانت الخطوة الأخطر وهي محاولة وضع حزام يجمع إسرائيل بإيران أثناء حكم الشاه وضُم إليهما تركيا ودول أخرى، إلا أن المفاجآت قطعت تلك الطرق بثورة إيران التي فكت التطويق المعد..
الآن تعود العجلة للدوران وهذه المرة على أرض العراق، حيث يتم التقسيم على الطاولة الأميركية، وتتبنى مليشيات جديدة تحت مظلتها تمولها إيران بحيث يتكون حزام جديد آخر، ولعل إشارة سمو وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل تأتي ضمن التحذيرات التي يجب ألا تكررها أميركا كأخطاء يقدرها الخبراء وتضيع في متاهة التطبيق..
فالعراق نافذة خطيرة ليس على دول المنطقة، وإنما على دول أخرى ونعلم أنه لو قامت دويلات في الداخل العراقي، فإن تقاسم النفوذ سيطال تدخل إيران وتركيا، بمعنى أن تقسيماً ضمنياً سيحدث، وهذا ليس في صالح إسرائيل التي من أجلها تُخترع هذه الاستراتيجية وتُعد مسودتها للتنفيذ، ومع أن الدول العربية تعيش أسوأ مراحلها في حصارات دولية، ومنظمات إرهابية، وقوى تريد أن تلعب دور المستعمر القديم بأثواب ونمر جديدة في هذا السيرك الكبير، فإن الصور قد لا تكون واضحة المعالم، إذا ما تداخلت المضامين الداخلية وصراعاتها القبلية والمذهبية، مع تيارات كونية أخرى دخلت ميدان معارك مكافحة الإرهاب والذي تتحمل مسؤولية وجوده واختراعه أميركا أولاً في وجودها في أفغانستان أثناء وبعد خروج الاتحاد السوفياتي منها، وهي الآن تعد لسيناريو جديد بمواصفات أخرى، أي أن تجعل العراق بؤرة تلاقي الصراعات الإقليمية مع الأوضاع الداخلية، وبدورهما تتداخل هذه التشابكات مع القوى الخارجية..
المملكة صديقة لأمريكا، وتقيم علاقات صداقة وجوار وتراث تاريخي مع إيران، لكن مكاشفة الصديق بأن اللعبة مكشوفة وخطيرة، تعني أن التصور بغفلة هذه الدول، أو تجاهل أحداثها، وهي تهددها أو تؤثر على سياسات المنطقة برمتها، يجعل المسؤولية مشتركة، وأن ذهاب أمريكا إلى النقطة الحرجة والأخيرة، ربما يجرها إلى مستنقعات أخرى تضيع فيها كل التقديرات..