عقب اندلاع انتفاضة الاقصى اواخر ايلول 2000اراد فلسطينيو الداخل التعبير عن مشاعرهم التضامنية مع اخوتهم في الضفة والقطاع والقدس، وكانت الشرارة التي اشعلت هذه الاحداث الدامية هي زيارة ارئيل شارون رئيس الوزراء الحالي وزعيم المعارضة الاسرائيلية آنذاك، للحرم القدسي الشريف، وما تلا ذلك من احتجاجات على هذه الزيارة الاستفزازية تلك الاحتجاجات التي سقط خلالها عشرات الشهداء من الفلسطينيين، وكانت بمثابة منطلق للانتفاضة الفلسطينية الثانية وهي ما اطلق عليه عدد من الكتاب الاسرائيليين تعبير «الحرب العربية - الاسرائيلية السابعة: حيث نجم عنها سقوط ما يزيد على اربعة آلاف فلسطيني والف اسرائيلي عدا عن الجرحى والخسائر المادية الفادحة.
فلسطينيو الداخل رفعوا شعار «حماية الاقصى» في مسيراتهم الاحتجاجية واسعة النطاق، التي امتدت احداثها يومين او اكثر من تشرين الاول عام 2000وقد قوبلت هذه المسيرات والمظاهرات بالقمع والتنكيل: فسقط ثلاثة عشر شهيداً من فلسطينيي الداخل، برصاص الوحدات الخاصة من الشرطة الاسرائيلية مما زاد المشاعر حدة ونقمة، إلا ان المواطنين العرب داخل الخط الاخضر، ادراكاً منهم لوضعهم الخاص كمواطنين اسرائيليين، تصرفوا بقدر كبير من الحكمة، ووضعوا قضية هؤلاء الشهداء بأيدي القضاء الاسرائيلي، ليصدر الحكم الرادع بحق مرتكبي هذه المجزرة، وفقاً للقوانين الاسرائيلية النافذة.
وتولت لجنة تحقيق قضائية عرفت باسم «لجنة اور» النظر في هذه القضية،وعقدت جلسات استغرقت شهورا عديدة، قبل ان تقرر احالة الملف الى لجنة التحقيق التابعة للشرطة الاسرائيلية - التي تتولى عادة النظر في المخالفات التي يرتكبها رجال الشرطة، وقررت هذه اللجنة قبل ثلاثة ايام، اغلاق الملف لعدم وجود ادلة كافية لإحالة بعض المتهمين الى المحاكم من جهة، وعدم معرفة من اطلق النار على الضحايا الفلسطينيين من الجهة الاخرى - وهو قرار اثار تساولات واستنكارات في الاوساط الاعلامية الاسرائيلية ذاتها، وتوجها لدى فلسطينيي الداخل نحو متابعة القضية لدى مؤسسات قضائية - ان لم يكن في اسرائيل نفسها، ففي المحاكم الدولية المعنية خارج اسرائيل.
ومع ان السلطات الاسرائيلية، وبعض القنوات الاعلامية التابعة لهذه السلطات، تعتبر رفع القضية الى محكمة جرائم الحرب الدولية تطورا خطيرا مرفوضاً، لا سيما وان السلطات الاسرائيلية اياها، تعاني من الحرج بعد ظهور بوادر على احتمال محاكمة ضباط كبار في الجيش الاسرائيلي، ومسؤولين سياسيين اسرائيليين في عدد من الدول الاوروبية بتهم ارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين، فان قيد قضية هؤلاء الشهداء ضد مجهول ليس بالقرار الذي يمكن للعدالة بأبسط صورها، قبوله او التسليم به.
والبديل الوحيد لرفع القضية الى مؤسسات قانونية خارج اسرائيل، هو ان يقوم القضاء الاسرائيلي بدوره بنزاهة تامة، فيطبق القانون على الجميع بشكل متساو لا فرق بين يهودي وفلسطيني، واذا لم يرتفع هذا القضاء الى المستوى الذي يرضي فلسطينيي الداخل بنفس القدر الذي يرضى فيه اليهود الاسرائيليين، فان امكانية البحث عن وسيلة قضائية ما، لتحديد المسؤولية عن تلك المجزرة، ومعاقبة مرتكبيها ستظل واردة، مهما كانت المحاذير والسلبيات الناجمة عن تدويل القضية واحراج السلطات الاسرائيلية في وقت هي في اشد الحاجة فيه الى تهدئة وتحييد الملفات القضائية الدولية، بحق مسؤوليها العسكريين والمدنيين.