بالنظر إلى أن كل التوقعات تشير إلى أن «حماس» سوف تكتسح الانتخابات الفلسطينية المقبلة، فإن العملية الانتخابية تُعتبر من وجهة نظر شارون ضرباً من الإرهاب. هذا هو تفسير التصريح الذي أطلقه شارون مهدداً بأن إسرائيل سوف تعرقل الانتخابات في حالة مشاركة «حماس».
ولكن هل من المتصوّر أن يبلغ العداء الإسرائيلي لفصائل المقاومة الفلسطينية هذا الحد المفضوح لولا العداء الداخلي الذي يمارسه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس «أبومازن» ضد الفصائل؟إن الموقف العدائي الثابت الذي يشكِّل المرتكز الأساسي لسياسة السلطة الفلسطينية تجاه «حماس» وفصائل المقاومة الأخرى لا يختلف كثيراً عن السياسة الإسرائيلية إلا من حيث الشكل والأسلوب.
رأسمال فصائل المقاومة يتمثل في السلاح انطلاقاً من قناعة شعبية تبلورت في تجارب الزمن الطويل منذ قيام الدولة اليهودية عام 1948 بأن التفاوض السلمي مع إسرائيل لا ينتهي إلا إلى طريق مسدود. هذه القناعة الفلسطينية الشعبية تدركها أيضاً إسرائيل. فبقدر أن الإسرائيليين يستشعرون خطر النضال المسلح الفلسطيني فإنهم لا يقيمون وزناً للشخصيات والجماعات الفلسطينية التي تتبنى الأسلوب التفاوضي السلمي. هذا على الأقل ما يمكن استخلاصه من درس أوسلو.
فالجانب الإسرائيلي استغل لأقصى حد التنازلات الجوهرية الكاسحة التي تبرع بها الراحل ياسر عرفات خلال العملية التفاوضية في عام 1993 من أجل انتزاع المزيد من التنازلات خلال مرحلة التطبيق. لقد جاء رد السلطة الفلسطينية على تهديد شارون بنسف العملية الانتخابية الفلسطينية في يناير إذا شاركت فيها «حماس».. جاء الرد على هيئة تصريح إعلامي «برفض هذا التدخل الإسرائيلي في الشأن الفلسطيني الداخلي». إنه رد بلا قيمة تُذكر،
فهو أولاً رد إعلامي يذهب هباءً. وثانياً ـ وهو الأهم ـ أنه لا يؤشر إلى تغيير جذري في سياسة السلطة الفلسطينية تجاه الفصائل. من المعلوم أن من ثوابت السياسة الإسرائيلية اعتبار فصائل المقاومة تنظيمات إرهابية منبوذة. ورغم أن قيادة السلطة الفلسطينية لا تستخدم نعت الإرهاب في تصنيف الفصائل إلا أنها تلتقي تماماً مع إسرائيل في السعي لتجريد الفصائل من رأسمالها النضالي المتمثل في السلاح.
هذا الوضع الغريب ـ والمشين ـ هو الذي يحفّز شارون إلى التجرّؤ على فصائل المقاومة الفلسطينية إلى درجة العمل على إلغائها من المعادلة الديمقراطية الانتخابية. فإسرائيل تراهن في هذا الصدد على أنها تتمتع بتحالف ضمني مع قيادة السلطة الفلسطينية في مواجهة فصائل المقاومة من أجل تقليم أظافرها وخلع أسنانها.
من هذا كله، نفهم لماذا تعارض إسرائيل مشاركة فصائل المقاومة في العملية الانتخابية المقبلة. فإسرائيل تدرك أن أولى ضحايا العملية سيكون طاقم السلطة الفلسطينية الذي يساهم في خدمة أجندتها.ولا شك أن قيادة السلطة الفلسطينية تشارك إسرائيل هذا الفهم المخيف.