آفة الثقافة العربية منذ فجر النهضة وجود فئة جاهزة بأسلحتها لتبرير الأخطاء بالوكالة عن من بيده الحل والعقد، ومن سايره من أصحاب سلطة النفوذ والمال والجاه، ورغم تقلبات الزمن وتحولات التاريخ، إلا أن نسل هؤلاء التبريريين لم ينقطع بل انتقلت راياتهم من جيل إلى جيل.
وظهر إلى جانب فقهاء السلطان، مثقفون ومفكرون ومنظرون وساسة وصحافيون ملتهم توظيف أدواتهم وعلومهم وأقلامهم لخدمة السلطة ـ علت أو صغرت أو تدنت ـ على حساب الحقيقة التي تطمس معالمها بفعل عملهم الدنيء، لقاء مصلحة عارضة أو منصب زائل، أو هبة مالية.
لم يتوقف جرم المثقف التبريري في تاريخنا عند حدود طمس الحقيقة، وتزوير الواقع، واستلاب حق المستضعفين، بل انتقل إلى إهدار فرص نادرة كانت كفيلة بوضع الأمة على طريق النهضة والتقدم، وإكسابها مناعة ذاتية ضد أمراض التخلف والقهر والطغيان والخرافة.
على أن أنكى البلايا التي أصيبت بها ثقافتنا العربية جراء آفة المثقف التبريري، هي شيوع الانهزامية والسلبية والفردية والسعي خلف المصالح الشخصية ، لدرجة تجعل تغيير القناعات الفكرية والمواقف أسهل من تغيير «الحذاء»، وبالتالي فقدت الثقافة مصداقيتها في عيون رجل الشارع، الذي تحولت كلمة ثقافة لديه إلى مرادف لكل ما هو سلبي ومثير للسخرية والانتقاص من الشخصية الإنسانية.
على صلة بآفة المثقف التبريري، ثارت ضجة في القاهرة ومازالت تداعياتها تؤتي ثمارها ـ المعطوبة والسليمة ـ على خلفية محرقة قصر ثقافة بني سويف ، التي أودت بحياة أكثر من أربعين مثقفا، احترقت جثثهم على أرضية غرفة عرض مسرحي للهواة، لدرجة ضاعت معالم بعضها، ولم يتم التعرف على أصحابها.
في إطار الرد الفوري، انفجرت مشاعر الغضب والإحباطات المتراكمة لعقود، وارتفعت صيحات المطالبة بإقالة وزير الثقافة فاروق حسني، وتحول إلى مرمى يصوب إليه الغاضبون والناقمون من الفساد نيرانهم، واختزلت كل أوجه الفساد في شخصه، وكأنه المسئول الأول والأخير أو رئيس الوزراء الخفي لمصر.
على الجانب الآخر، احتشد المنتفعون من الحالة السائدة، والمستفيدون من منح وهبات وزارة الثقافة للدفاع الحماسي عن الوزير، ومطالبته بالتراجع عن استقالته التي قدمها إلى الرئيس المصري، وبدا أن شعارهم هو ليس في الإمكان أبدع مما كان.
ولخص المشهد التالي لمحرقة بني سويف، وتلاشي استقالة الوزير، الحالة المصرية، ومستوى الاحتقان الذي بلغته، وافتقار الساحة لقنوات الحوار الحقيقي بين الإطراف المتصارعة، لأن الكلمة العليا الآن هي لإزاحة الآخر، وتسفيه أرائه، بالحق والباطل، وتصوير الصراع الدائر على انه بين ملائكة وشياطين وليس بين بشر عاديين، يخطئون ويصيبون.
خطورة هذا النوع من الصراع، انه لا يرقى إلى مستوى الحالة الراهنة، ولا يتيح الفرصة لنمو طبيعي للبدائل، أو تلاقح الأفكار، بل انه يوفر الأجواء التي تزدهر فيها بضاعة الأفاقين والمحتالين والانتهازيين، ومحترفي غسيل الأسماء والأموال، «والبيزنس السياسي».
على انه يجب أن نتذكر، أن وزير الثقافة الحالي نجح فعلاً في تدجين قطاع ـ لا يؤسف عليه ـ من المثقفين، منذ أول يوم له وقبل تسلمه مهامه، واحتوى وقتها الضجة التي أثيرت حول اختياره في وزارة الدكتور عاطف صدقي عام 1989، لدرجة جعلت الكاتب الراحل عبد الرحمن الشرقاوي يتراجع عن رفضه تعيين حسني، بل ويبايعه في مؤتمر عقده الدكتور سمير سرحان في هيئة الكتاب.
لكن، يكتب للوزير أيضا انه قاد حملة لتجديد قطاعات الثقافة، واوجد لها صحيفة أسبوعية، وتوسع في المهرجانات والمنتديات، بصرف النظر عن الاختلاف مع حصيلتها النهائية وبزوغ أوجه للفساد ، بالاتساق مع المرحلة ومعاييرها السائدة.في النهاية، لم تستنفد الفرص لمحاصرة ظاهرة المثقف التبريري، عبر الحوار الجاد وسد الثغرات التي ينفذ منها هؤلاء، وهى ثغرة التي يستعصي حالياً على الراتق سدها، اقصد ثغرة الفساد، التي أصبحت أوسع من ثقب «الأوزون».