للسفر كما يقال منافع عدة، لكن أهمها على الإطلاق هو تعامل المسافر مع ثقافات وعادات غريبة وجديدة عن مجتمعه، وبالطبع الاستفادة ما أمكن مما تعلمه.لكن للسفر أيضا أهمية أخرى، وهي أننا حين نبتعد عن أوطاننا فإننا نراها بعدسة مكبرة، فالمسافة تمكننا من رؤية السلبيات والايجابيات بدقة أكثر، تماما مثلما يؤدي الابتعاد عن اللوحة الفنية بمسافة كافية إلى رؤية شمولية وواضحة لكل تفاصيل اللوحة.
لكن وبكل أسف فإن واقع مجتمعاتنا ودولنا العربية الذي ضخمته حالة الغربة المؤقتة لا يحمل من الايجابيات الشيء الكثير.فالمسافر العربي لا يستطيع إلا أن يقارن بين واقعه الرديء وبين ما يراه من معالم حضارية خاصة في المجتمعات المتقدمة. ليأتي بذلك السؤال الذي كثيرا ما يطرح في ساحة الحوار العربية: ماذا قدمنا كأمة وكمجتمعات بعضها ثري حتى الثمالة ـ للمجتمع البشري؟
وهو سؤال شرعي ومنطقي، خاصة في ظل ما نتابعه يوميا من انجازات علمية وطبية وتعليمية وأخرى كثيرة. والأمر هنا سيان فلا يختلف في فقر المساهمة للبشرية دول ثرية كدول النفط. ولا دول فقيرة أو متواضعة الدخل! مما يدفع بالاستنتاج المنطقي الوحيد وهو أن شح المساهمة العربية في بحر الانجازات البشرية هو مسألة لا علاقة لها بالثروات ولا بالدخول الفردية،
وإنما يعود سببها إلى عجز أنظمة عربية عن تنمية الفرد العربي علميا واجتماعيا وثقافيا وتأهيله بصورة تمكنه من ارتياد بحر التنافس والانجاز البشري الذي يتلاطم على حدودنا العربية، لكن من دون أن يطالنا البلل وبكل أسف!نحن كشعوب عربية لا نمل من لوم المجتمعات الأخرى حين تنعتنا بالإرهابيين والمخربين،
لكننا لا نحاول ان نتأمل في تلك التهم أو في الأسباب التي دعت الآخرين لأن يكيلوها لنا بهذه الصورة، فنحن بالفعل أصبحنا مرادفا للإرهاب والعنف وتلك بلا شك حقيقة مرة، فأغلب ان لم يكن كل العمليات الإرهابية جاءت بأيدٍ عربية أو مسلمة، وكلاهما عنوان للهوية العربية التي أصبحت مثقلة بتبعات جنوح أفرادها.
لا يوجد مخرج للأمة العربية من هكذا وضع الا من خلال تفعيل المساهمات العربية في الساحة البشرية بصورة تجعل العالم يرى ويلمس الدور العربي الايجابي في التنمية سواء داخل حدوده أو خارجها، وهو أمر يشترط أولا أنظمة وإدارات سياسية مدركة لدورها المهم والأساسي في بناء الأفراد وتنمية المجتمع بصورة تؤهله لأن يقدم المساهمات الملموسة للمجتمع البشري بشكل عام.
ومن يدري، فلعل بمثل هذا الإدراك يحقق العالم العربي والإسلامي مخرجا آمنا من فوضى الإرهاب والعنف والتطرف التي سادت وتمكنت من عقلية الشباب في الآونة الأخيرة لأن جزءاً كبيراً من العنف تعود أسبابة عادة إلى عجز الإنسان عن التعامل مع معطيات جديدة كالتي أفرزتها التكنولوجيا في العالم خلال العقود الثلاثة الماضية ،
فالإنسان عادة ما يرفض الواقع حين يجد نفسه عاجزا عن التأقلم معه، وكثيرا ما يرتدي مثل هذا الرفض عباءهة العنف والتطرف. أمام العالم العربي شوط طويل قبل ان يلحق بركب الحضارة الذي أصبح متسارع الخطى، لكن ذلك لا يعني ان علينا أن نيأس ونستسلم فكما يقول المثل: ان تبدأ متأخرا خير من أن لا تبدأ أبداً.