في الأسبوعين الماضيين التقى الرئيس صالح بحزبي الإصلاح والاشتراكي كل على حدة، ومعروف أن الحزبين المعارضين يضمهما تجمع «لقاء مشترك»، وهو تحالف سياسي محدود لا يتجاوز التنسيق. كان الفقيد الكبير جار الله عمر من ابرز دعاته. والمتحمسين له. بل إن اغتيال الشهيد يعود في جانب مهم إلى اجتذاب الإصلاح إلى «حلبة هذا اللقاء».

لاشك أن التقاء الرئيس اليمني ببعض من معارضيه مؤشر طيب. ولكن المغزى الأكبر للقاء انه قد تم بعد الاضطرابات الدامية في كبريات المدن وبعض الأرياف، فالدولة اليمنية منذ فوز حزب المؤتمر الشعبي العام في الانتخابات العامة 2003 بالأغلبية الساحقة قد تصرفت بغرور فائض عن الحاجة. كما عملت على مزيد من تهميش المعارضة. ومحاولات إلغاء دورها.

لقد اختزلت الدولة أو تماهت بالحزب الذي لا يمتلك تقاليد حزبية حقيقية مما جعله ظلا باهتا للإدارة الهشة والمتآكلة. وكان الرئيس هو عنوان السلطات الثلاث مما جعله هدفا مباشر لسهام النقد بالحق والباطل.الحكم اليمني لا يدرك أن الانتصار الكاسح في الانتخابات كالانتصار الحاسم في الحرب لا يعني الكثير في اللعبة السياسية اليمنية. فالتقلبات في المزاج العام كالتقلبات المناخية سرعان ما تبدد نشوة الانتصار بطرح أسئلة جد مختلفة ومغايرة. هذا إذا ما كان الانتصار حقيقيا.والفوزليس بزائف.

لقاء الرئيس بالتجمع اليمني للإصلاح وبالاشتراكي كل على حدة. وربما يتبعه بلقاءات أخرى مع بقية أطراف اللقاء المشترك ، أمر طيب.لكن لا ينبغي المبالغة في قراءة ايجابياته بالقدر الذي لا يجوز تصويره كمؤامرة. صحيح أن الاضطرابات الدامية قد طرحت على الحكم والمعارضة أسئلة متحدية زاخرة بالاقلاق!

وصحيح أن الخلافات المتفاقمة في جهاز الدولة الشائخ والفاسد وصلت مرحلة الخطورة. وقد ترافق الخلل العام في جهاز الدولة مع مزيد من تشديد القبضة على الحريات العامة والحريات الصحافية بصورة اخص مما أدى إلى تصدع سمعة الحكم في الهيئات والمنظمات الدولية المحتفية بحقوق الإنسان.قوة الحكم في اليمن ليس في السند والحلف القبلي، ولا في قوة الجيش والأمن كما يتصور الحكم. ولا في قمع المعارضة وتهميش الأحزاب. وإلغاء هامش الحريات الديمقراطية.

تقرير التنمية البشرية للعام2005 يشير إلى انحدار اليمن إلى المرتبة الثالثة الضعيفة في التنمية وهي كشقيقتيها جيبوتي وموريتانيا تقبع في آخر السلم، وتتضافر الصعوبات الاقتصادية والأزمة العامة. مع انتشار التذمر والانتقاد في أوساط قطاعات واسعة حتى في صفوف قيادات في الحزب الحاكم وائتلاف حرب 94 وقد وصل التذمر في كتلة حزب الحكم من النواب والكثير من المؤسسات.

ولم يكن الضغط الدولي بأقل حرارة من حراك مؤسسات المجتمع المدني التي تنادت لتشكيل ائتلاف يضم فئات وشرائح في الحياة من النقابات والاتحادات والشخصيات المدافعة عن الحقوق والحريات.ولعل الدوافع كلها على أهميتها جانب وتهيؤ الرئيس لزيارة أميركا وبعض الدول الأوروبية جانب آخر. فزيارة كهذه لابد وان يجري التمهيد لها بتقديم بعض الخطوات الجزئية والتكتيكية لتجميل الصورة التي شوهتها الإجراءات القامعة على مدى العامين الماضيين ويبقى الاستعداد لللانتخابات الرئاسية.

وهي انتخابات يرجح فيها فوز صالح ولكن بصعوبة بالغة نظرا للقيود المتوقع فرضها سواء من قبل مؤسسات المجتمع المدني أو من الهيئات والمنظمات الدولية. فاليمن التي قدمت نفسها كأنموذج للإصلاحات التي دعا إليها المجتمع الدولي والأميركي بخاصة.

وحضر رئيسها اجتماع الدول الكبرى الثماني تجد نفسها مطالبة بسداد فواتير الاعوام العشر العجاف منذ نهايات حرب 94. والحال ان الدولة وبلسان رئيسها تتحدث عن الإصلاح وتتعهد وتلتزم به بينما في الواقع تتراجع عما تحقق في الماضي. ويجري التدهور الاقتصادي والاجتماعي بشكل متسارع.

وتظهر على النظام أعراض الشيخوخة والترهل والفساد. وينقسم «المحاربون» على اقتسام الغنائم. وتضيق الحلقة لتطرح خيارا واحدا اما السير في طريق الانتصار بالحرب. والانتصار بتزييف الانتخابات وتخوين الآخر المختلف وتجريمه. أو التخلي عن أسلاب الحرب والانفتاح والعودة للحوار والمشاركة.

كاتب يمني