شهد العالم بأسره منذ أن تأسست الأمم المتحدة قبل ستين عاماً تغيرات دراماتيكية وأساسية ابتداء من انتهاء الاستعمار القديم لآسيا وأفريقيا ومروراً بحقبة الحرب الباردة بين الدولتين العظميين ومن ورائهما وانتهاء بسقوط حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفييتي والإعلان عن نظام عالمي جديد بقيادة منفردة للولايات المتحدة الأميركية.
ومع ذلك فشلت القمة الأممية التي انتهت منذ أيام قليلة بنيويورك في إدراك أهمية هذه التغييرات والتطورات الدولية والتوصل إلى اتفاق حول كيفية تحقيق الأهداف والطموحات الضرورية للعالم بأسره في المرحلتين الآنية والمستقبلية التي كثرت النقاشات والمفاوضات حولها منذ ما يقرب عن خمس سنوات. وقد عبر الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان عن فشل القمة عندما ذكر أن نتائج القمة قد خيبت آماله.
لقد كان متوقعاً أن يتم الاتفاق على وضع استراتيجية مدروسة لإحداث تنمية عالمية لمحاربة الفقر في العالم وإجراء إصلاحات للمنظمة الدولية التي تنتهج أسلوباً ديكتاتورياً في صنع القرار وتعريف الإرهاب الدولي والحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل وتطبيق القرارات الدولية العالقة بشأن العديد من الصراعات الإقليمية، الأمر الذي كان سيقود إلى تعزيز دور الأمم المتحدة لإحلال السلام والأمن الدوليين وإرساء الرخاء في العالم الذي بدأ قبل سنوات قليلة يعيش ألفيته الثالثة.
ولكن الذي توصلت إليه القمة الأممية في نهاية المطاف تجسد في وثيقة هزيلة مكونة من 35 صفحة غاب عنها الاتفاق على كل القضايا الأساسية، ولم تنص الوثيقة الختامية على الإصلاحات الواسعة التي كان يسعى لها الأمين العام للمنظمة الدولية كوفي عنان، وفي مقدمتها مسألة توسيع مجلس الأمن، وتعريف الإرهاب، وكيفية تطبيق الإصلاحات الإدارية في الأمم المتحدة.
بالمقابل تلزم الوثيقة الحكومات الأعضاء في الأمم المتحدة بتحقيق أهداف المنظمة الدولية في مجال محاربة الفقر وإنشاء لجنة للمساعدة في إنهاء الحروب وإقامة مجلس حقوق الإنسان بدلاً عن اللجنة الموجودة أصلاً وكأن المشكلة تكمن في المسميات وليس في التطبيقات، ومع ذلك لم يتمكن المجتمعون من التوصل لآلية تتعلق بإنشائه وإدارته. وقد عبرت محافظة العلاقات الأوروبية في الاتحاد الأوروبي بينيتا فيريرو فالدنر عن خيبة أملها واصفة التعديل بأنه «مجرد تعديل».
لقد فشلت جميع خطط إصلاح مجلس الأمن حتى اليوم، وقد لا تنجح في المستقبل المنظور. وحتى القرار بشأن التحريض على الإرهاب في الجلسة التاريخية التي عقدها مجلس الأمن الدولي، هذه الجلسة التي دعت إليها بريطانيا وساندها الأمين العام، أنتجت قرار 1626 يدين التحريض على الإرهاب وطالب بوضع القوانين لمنع التحريض على ارتكاب العمل الإرهابي، وهو نجاح شكلي سيواجه معضلات عملية لأنه مرتبط بأزمة التعريف المزمنة حول الإرهاب والتحريض جزء منه.
ومع هذا الإخفاق الجديد ستنخفض بصورة كبيرة مستقبلا قيمة هذه الوعود والطموحات التي تطلق بين فترة وأخرى في المجتمع الدولي، نتيجة لعدم تحقيقها أهدافها، وبدأت أهداف الألفية الثالثة للتنمية كشعارات إعلامية لم يخطط لها كي تحقق نجاحات عملية على أرض الواقع. فالمصالح الضيقة للدول وخصوصاً القوية منها كانت العائق الأول في وجه أي تقدم وتغيير.
إن حقيقة الأزمة في هذه المنظمة ليست في موقف هذه الدولة أو تلك وتبادل التهم، وإنما في أن الأمم المتحدة كتجسيد للشرعية الدولية تقوم على أساسين متناقضين يصعب التوفيق بينهما، فهي تقوم من جهة على مبدأ المساواة في السيادة بين أعضائها، إلا أنها من جهة أخرى تستند إلى الوزن الواقعي الحقيقي للدول الكبرى التي تمارس تأثيراً يتناسب مع قدرتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، فالأقوياء في حقيقة الأمر هم القادرون على إرساء نظام دولي ومن ثم المحافظة عليه وعلى استقراره.
والأمم المتحدة ليست دولة ذات سيادة بل إطار تنظيمي وآلية للعمل بدون قوة عسكرية خاصة بها، ولا سلطة للاعتقال، وحتى مجلس الأمن الذي يمتلك بعضاً من القوة لا يستطيع التصرف تحت قيادة دولة واحدة.ففلسفة الشرعية الدولية تقوم كما حددها ميثاق الأمم المتحدة على سمو أحكامه على القوانين الداخلية والاتفاقات الدولية وقد يتصور الكثيرون
كما هو شائع في العالم الثالث في رؤية الأزمات الدولية أن مفهوم الشرعية الدولية يحمل بالضرورة قيمة أخلاقية تستمد من مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقيم الإنسانية العامة، كالحرية والمساواة والسيادة بين الدول، إلا أن الواقع الدولي وتاريخ العلاقات الدولية يؤكدان أن الشرعية الدولية بهذا المعنى لم تكن يوما ما هي القاعدة للممارسة الدولية، حتى في ظل أفضل أوقات التوافق والسلام الدوليين.
وهي أقرب توافقاً مع سلام توازن القوى مما هي إلى مبادئ المساواة واحترام سيادة الدول وقيم الخير والعدل، إذ لا يمكن تهميش موازين القوى وقوة الأصوات التي تعتمد على منجزات كل شعب في تحديد مكانة دولته في خارطة العالم.إن دول العالم مطالبة بإصلاح ذاتها أولاً قبل المطالبة بإصلاح المنظمة الدولية التي وصفتها وزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة مادلين أولبرايت ب«إن إدارة هذه المنظمة كإدارة مؤسسة عمل ب184 مديراً تنفيذياً كل منهم يتكلم لغة مختلفة ولديه قائمة وأولويات مختلفة».
يبدو أن مشكلة النظام العالمي الراهن تكمن في هيمنة دولة واحدة على معظم السياسات العالمية في ظل غياب أي تحد حقيقي من دول كبيرة أخرى لهذه السياسات من جهة، ولاستمرار الوضع اللاديمقراطي في بنية المؤسسات الدولية سواء في الجمعية العمومية أو مجلس الأمن من جهة أخرى.
وأن الوضع الراهن لسير العلاقات الدولية من خلال استخدام المنظمة الأممية سيبقى جامداً متجمداً بالرغم من التحولات الدولية لسنوات عديدة. وعليه فإن على الشعوب والدول أن تلتزم الواقعية البراغماتية في نظرتها للشؤون الدولية حتى لا تصاب بمزيد من الإحباط والتخبط.
isam997@hotmail.com
كاتب وباحث سياسي