لو سمع المرء كلام «اللجنة الرباعية» الأخير من دون أن يعرف قائله لكان اعتقد بأنه صادر عن جهة إسرائيلية، إذا لم يكن عن شارون نفسه. ذلك أنه نسخة منقّحة بالصيغة لكن مطابقة بالمضمون لدفتر الشروط الإسرائيلية؛ المطلوب من السلطة الفلسطينية تنفيذ بنوده التعجيزية قبل العودة إلى طاولة المفاوضات. طبعاً من دون أي مقابل، ولا حتى وعد بمقابل أو بديل.

أول من أمس الثلاثاء، اجتمعت «اللجنة» في نيويورك، على هامش الدورة العادية للأمم المتحدة، كان من المنطقي والمفروض أن يدور الاجتماع حول الخطوات اللاحقة لرحيل الاحتلال عن غزة. هكذا كان المتوقع في ضوء الانطباع السائد، الذي أوحى بأن العمل لا بد أن ينصبّ على العودة إلى «خارطة الطريق».

الجميع، وبالتحديد إدارة الرئيس بوش كانت قد شددت على أهمية هذه الأخيرة، كجسر عبور إلى السلام في المنطقة. لكن ما صدر عن الاجتماع لم يأت حتى على ذكر «الخارطة». محوره دار حول الوضع الفلسطيني وتسليط الأضواء على ظاهرة السلاح فيه، ومطالبة السلطة بإزالتها. وقد جرى ذلك من خلال رسم صورة وردية عن «العملية السياسية» الجارية، كما عن «العملية الانتخابية» المقبلة، التي «تتناقض» كلها مع «نشاطات المجموعات المسلحة».

فهذه الأخيرة تقول اللجنة، «تشكل تناقضاً جذرياً مع بناء دولة ديمقراطية فلسطينية. وعليه دعت اللجنة في بيانها إلى «وقف العنف والإرهاب»! كما دعت السلطة إلى «تفكيك القدرات الإرهابية وبنيتها التحتية»، وأيضاً إلى «تقديم البرهان على قدرتها لممارسة الحكم»! وكأن الدولة باتت جاهزة وعلى طبق من فضّة وتنتظر تسليمها إلى أصحابها، الذين يتوجب عليهم ترتيب أوضاعهم وإزالة الشوائب منها، قبل أن تصبح في عهدتهم!

كلام منسوخ عن مطالب شارون التي لم يملّ من تكرارها والتي تضمر وترمي إلى توريط الساحة الفلسطينية في حرب أهلية، فاللجنة بدت وكأنها تتحدث بالوكالة عن الحكومة الإسرائيلية وبلسانها مع كل ما ينطوي عليه ذلك من زيادة الضغوط على السلطة الفلسطينية وحشرها في الزاوية لإجبارها على الانزلاق إلى تنفيذ المطلوب الفعلي منها.

والأنكى من ذلك أنه فيما كانت اللجنة تلقي بثقلها على الجانب الفلسطيني ـ وكأن الاحتلال لا يكفيه ـ من دون مطالبة إسرائيل بخطوات موازية، كانت هذه الأخيرة منهمكة في استعراض الخطط والتدابير ورسم خطوط التقطيع لأوصال الضفة وبما يحوِّلها إلى كانتونات مبعثرة يفصل بينها الجدار والتجمعات الاستيطانية، فضلاً عن مشاريع الضم لكبرى المستوطنات المحيطة بالقدس.

شوالأشد إيلاماً أنه في الوقت الذي كانت تتوالى فيه كل هذه الشروط والضغوط وتهديدات شارون بعرقلة الانتخابات لو شاركت فيها الفصائل المسلحة، كان سيلفان شالوم يصرح في نيويورك بأنه التقى بأكثر من عشرة وزراء خارجية عرب وأنه طالبهم بنقل العلاقة مع بلدانهم إلى العلن! فهل نلوم الرباعية بعد ذلك؟.