كلما منيت الولايات المتحدة بانتكاسة أمنية في العراق فإنها تلجأ إلى تحريك تبرير جاهز: «التدخل» السوري، وهو تبرير تقصد به الإدارة إقناع الرأي العام الأميركي بأن الانتكاسات المتتالية التي تمنى بها القوات الاحتلالية الأميركية مردها إلى عوامل خارجية.ومن ناحية أخرى فإن مثل هذا التبرير قد يفلح في شد انتباه الشارع الأميركي بعيداً عن الاحباطات الداخلية التي تواجه إدارة بوش.
لذا نعرف لماذا عمدت الإدارة إلى تصعيد لهجة التهديد ضد سوريا خلال الأسبوعين الأخيرين، فالتصعيد قصد منه التغطية على التذمر الذي ساد الولايات المتحدة بسبب فشل إدارة في التعامل مع كارثة كاترينا، ورغم ان الرئيس بوش اعترف أخيراً بتقصير الإدارة إلا أن هذا لم يمنع هبوط شعبيته إلى أدنى مستوى منذ دخوله البيت الأبيض للمرة الأولى عام 2000.
والسؤال الذي يطرح هو: هل يرتفع التصعيد الأميركي إلى مستوى شن عمل عسكري على سوريا؟ في أحدث تصريح أميركي قال ناطق باسم الخارجية الأميركية إن «الأسرة الدولية ستتحرك» لأن سوريا باتت أكثر وأكثر عامل عدم استقرار في المنطقة، وأغلب الظن ان عبارة تحريك الأسرة الدولية تعني ان واشنطن تعتزم اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي.
ومما يقوي من هذا الظن أن ذلك التصريح سبقه تصريح لوزيرة الخارجية الأميركية نفسها كوندوليزا رايس استبعدت فيه استخدام الخيار العسكري ضد سوريا. ثم أن الرئيس بوش حذر سوريا في أنها «قد تزيد من عزلتها» بسبب «عجزها عن مراقبة دخول المتطرفين إلى العراق عبر حدودها» دون أن يشير إلى احتمال عمل عسكري.
هناك خلاف داخل إدارة بوش هكذا تقول الصحافة الأميركية، فبينما يتبنى فريق «المحافظين الجدد» ـ أي المتشددين المرتبطين بالأجندة اليهودية الصهيونية ـ خياراً عسكرياً شاملاً ضد سوريا فإنه يبدو أن الغلبة لفريق آخر يتهيب خيار شن حرب ثالثة بعد حرب أفغانستان وحرب العراق.
إن خيار الحرب يبدو مستبعداً. فمع الانهزامات التي تتلقاها القوات الأميركية في العراق على نحو يومي فإن فئات الشعب الأميركي أخذت تصغي للجماعات الراديكالية الأميركية التي ظلت ترفع شعار معارضة الحرب منذ عملية الغزو على العراق في مارس 2003 بل وحتى قبل أن يبدأ الغزو. وجاءت كارثة الإعصار كاترينا لتثبت عملياً وعلنياً الآثار السالبة الخطيرة للتورط الأميركي في العراق على الخدمات الأساسية داخل الولايات المتحدة.
فالأموال الأسطورية التي أنفقت على الحرب (300 مليار دولار حتى الآن) كانت على حساب اعتمادات الميزانية الاتحادية الخاصة بعدة بنود من بينها صيانة السدود التي تحجز الفيضانات، ولذا فإن السدود انهارت في نيو أورليانز. فهل من المتصور في وضع كهذا أن يتجرأ بوش على شن حرب على سوريا؟
إن الأمر الأكثر ترجيحاً هو أن الرئيس بوش يريد استخدام «التدخل السوري» كسلاح دعائي أكثر من ذريعة لشن حرب من أجل الرد على معارضي الوجود العسكري الأميركي في العراق وكأنه يقول: «إننا قادرون على سحق المقاومة العراقية «المحدودة» لولا تدخل مقاتلين »أجانب» يتخذون من سوريا قاعدة خلفية.