أحد الأخوة العرب ويعمل سكرتيراً في إحدى الدوائر الحكومية لاحظ كثرة المراجعين الذين يترددون بصفة يومية لإنجاز معاملاتهم في المكتب المجاور، فاستاء من الأسلوب الذي يتعامل به زميله مع العملاء، وسأله عن شأنه مع هذا العدد اليومي المتكرر من المتعاملين، فرد عليه الزميل بعفوية بالغة: هؤلاء عملاء مؤسستنا التي وظفتنا لخدمتهم، ونظير هذا نتقاضى منها الأجر.

ويبدو أن هذا الرد لم يعجب صاحبنا فتلفظ منفعلا: سبب هذا الزحام هو أمثالك، أنت من عودهم على إنجاز معاملاتهم. ولولا هذا الكم من الجهد والوقت الذي تخصصه لهم ما ترددوا عليك، ولا تزاحموا على مكتبك. وطفق يقول: انظر إليّ مثلاً، فأنا أعمل بذات مهنة السكرتاريا التي تعمل بها، ومع ذلك فإني لا أتعامل مع نصف من تخدمهم أنت.

وتابع يتحدث بنبرة الناصح: اتبع معهم سياسة «الكعب الداير»، بمعنى أن تقبل انجاز معاملات عدد محدد منهم كل يوم، وادفع ببقية المراجعين إلى مكاتب أخرى قبل اتمام إجراءاتهم. وبذلك يمضي كل مراجع إلى مكاتب لا علاقة لها بالمعاملة «إياها»، وبحسب الاتفاق، فإن كل مكتب سيرسله إلى المكتب الذي يليه، وهكذا يضيع وقت المراجع في دوامة لا نهاية لها، حتى ان انتهى به الطريق إلى المكتب الذي بدأ منه،

أعلنت له عن انتهاء الوقت المخصص لتخليص معاملات الجمهور، وأن عليه أن يعاود المراجعة في الغد.!! وبسياسة «الكعب الداير» هذه يمكنك تقليل عدد المترددين على مكتبك يومياً، وتحديد عدد المراجعين الذين ستعمل على خدمتهم، وهو أمر في غاية البساطة، ومن شأنه أن يرفع عنك ضغوط العمل ويريحك من انتظار المراجعين.

وأطمئنكم بأن صاحبنا مخترع «الكعب الداير» هذا لم يدم على رأس عمله طويلاً، بعد أن كشف «سر المهنة» التي جعلت من مكتبه أقل المكاتب حظاً في عدد المراجعين، وأقيل معه من درّبهم على سياسة التطفيش هذه. ولكن فيما يبدو أن صاحبنا هذا نجح في أن يقنع بعض دوائرنا الحكومية باتباع «سياسة الكعب الداير الالكترونية»، والمتمثلة في البدالات والتحويلات الهاتفية المبرمجة بالرد الآلي.

ذلك ان بعض أرقام الخدمة تظل ترد عليك في سلسلة لا متناهية من الأوامر من قبيل: إن كنت ترغب في الاستفسار عن الخدمة الفلانية أدخل الرقم الفلاني، وتبقى تواصل حتى تفضي إلى انقطاع الاتصال، أو رد من قبيل نشكر لك اتصالك، جميع موظفي خدمة العملاء مشغولون، أو انتظر قليلاً جميع الخطوط مشغولة،

وما إلى ذلك من الأساليب التي لا توصل طالب الخدمة إلى نتيجة، بل تجعله يبدد جهده وماله ووقته في مكالمات لا يخرج منها بنتيجة سوى الدوران في حلقة مفرغة، تماماً مثل السياسة التي رسمها صاحب «الكعب الداير» من مكتب إلى آخر، حتى ان انقضت ساعات العمل دعتك إلى معاودة الاتصال في اليوم التالي.!

darwish@albayan.ae