يبدو أنه موسم الانتخابات العالمي. في أفغانستان، وألمانيا، نيوزيلندا، وعلى الأبواب في المكسيك وفلسطين .. وغيرها. الأصل في حراك المجتمعات هو «التوتر المشع» بمعنى تفاعل التناقضات بمستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكن في عالم اليوم لم يعد هذا هو الأصل.

التباين بات جلياً بين مجتمعات مهددة (بفتح الدال الاولى) وأخرى مهددة (بكسر الدال) والأصل ينطبق هنا على الدول القوية والمستقرة التي تحظى تفاعلاتها الداخلية بنسبة عالية من الاستقرار والحرية.وبناء على هذا يمكن فهم النتائج المنطقية لانتخابات ألمانيا ونيوزيلندا، والتي تعكس تماماً التوجهات الداخلية المستقلة للناخب وأولوياته التي يتقدمها العامل الاقتصادي بتفرعاته المتعلقة في نسبة الضرائب والبطالة ومستوى المعيشة عموماً.

لكن الدول التي يعيش أبناؤها هاجس التهديد وعدم الاستقرار، سواء كان ذلك داخلياً أم خارجياً، تنزع إلى تفضيل مقولة .. يبقى الحال على ما هو عليه» خشية ان يفاقم أي تغيير حالة اللا استقرار السائدة.هنا تحكم الشعارات السياسية الأمنية توجهات الناخبين لأن الخبز يأتي بعد الأمن وغريزة البقاء.ولأن هذه المجتمعات لم تحظ أصلاً بسياق تاريخي من الاستقلال والحرية والتقاليد الديمقراطية، فإن زعماءها لا يحتاجون لمحك الشرعية، بعدما راكموا مصادر القوة بين أيديهم طيلة سنوات الفوضى.

ورغم الفترة الزمنية الطويلة التي تستغرقها عمليات فرز صناديق الاقتراع في أفغانستان، فإن القراءة الأولية لهذه النتائج توزع الكتلة بين ثلاثة أطراف: الحكومة، زعماء القبائل، المعارضة المقربة من حركة طالبان. وجميعها يحظى بثقة الناخب لامتلاكها القوة العسكرية، شرط الإحساس بالأمان.

وفي فلسطين، ورغم خصوصية الاحتلال الإسرائيلي، وفي ظل تهميش السلطة الوطنية المركزية، فإن جمهور الناخبين موزع بين فصائل أضافت لمراكمتها القوة العسكرية بعض القوة الاجتماعية لجهة مساعدة المحتاجين مالياً، وعلى هذا أضيف إلى العامل الأمني الذي يحكم خياراتهم، بعد اجتماعي.والمفارقة هنا، ان الساحة الفلسطينية تتفرد (لسوء الحظ) بالخلل الفاضح في التوجهات الخارجية لمساعدة الديمقراطية الوليدة،

من حيث مسارعة المجتمع الدولي إلى حماية معظم الانتخابات في بؤر التوتر بفرق مراقبين وعسكريين، ماعدا فلسطين.يحق التساؤل، والحال كهذه: هل يمكن اعتبار صناديق الاقتراع في المجتمعات التي تهجس بالتهديدات وسيلة حقيقية لممارسة الديمقراطية، أم هي مجرد ديكور غربي يحافظ على الأنماط التقليدية السائدة في هذه المجتمعات، ويعمق أزمتها تالياً بعد انقشاع الغلالات الدعائية.