على العكس من أسامة بن لادن، لا يملك أبو مصعب الزرقاوي أي خلفيات متماسكة أو سيرة يمكن تتبعها بسهولة. فهو يبدو من ذلك النوع من الشخصيات الذي يظهر فجأة في المراحل الانتقالية أو مراحل التحولات الكبرى ويختطف الأضواء من الجميع، وعدا صورة فوتوغرافية، فان السيرة المرسومة عن الزرقاوي لا تزال مليئة بالثقوب.
لقد تم استقصاء وفحص حياة بن لادن منذ ان كان صبياً وسط عشرات الإخوة، بل وتم استخراج صور فوتوغرافية لصبي صغير يسافر مع إخوانه وأخواته في إجازات ببلدان أوروبية. وبدأت الأضواء تسلط عليه منذ بداية الجهاد الأفغاني مطلع الثمانينات. وما انتهى ذلك العقد برحيل القوات السوفيتية عن أفغانستان الا وكان بن لادن قد كرس نفسه زعيما خصوصا بعد غياب الفلسطيني عبدالله عزام الأب الروحي للمجاهدين العرب في أفغانستان.
لكن منذ 11 سبتمبر، لم يظهر بن لادن إلا لماما في صور مسجلة بعناية في شرائط مصورة بكاميرات الفيديو في الغالب او تسجيلات صوتية تصل إلى محطات التلفزة. عدا ذلك، ليس لـ «بن لادن» أي حضور خارج نطاق الصورة.ان حرب الولايات المتحدة على الإرهاب توصف بأنها حرب ليست كالحروب الأخرى، وهي اذ تستحق هذا الوصف فإن ابرز ما التصق بها هو أنها تطارد عدواً غير مرئي غير محدد الملامح، غامضاً وغير سوي وعلى قدر هائل من الوحشية.
لكن هذه الأبعاد لم يكن من الممكن صياغتها وتعميمها لولا أداة جبارة هي الصورة.لقد غدت الصورة في صميم الحرب، وغدت الشاشات هي الفضاء الأمثل لكلا الخصمين: تنظيم القاعدة والولايات المتحدة وحلفائها. ليس بالإمكان استقراء تاريخ هذه الحرب بعيدا عن شاشات التلفزة والرسائل الصوتية. البداية: الاعتراف الأول بالمسؤولية من قبل بن لادن عن اعتداءات 11 سبتمبر وصولا إلى رسالة الزرقاوي الأخيرة حول استهداف الشيعة العراقيين.
لكن الزرقاوي اقل ظهورا من بن لادن بل بالأصح لم يشاهد الجمهور أي صورة أو فيلم مسجل له. يؤرخ ذلك الفيلم البشع لذبح الرهينة الأميركي نيكولاس بيرغ في مايو من العام الماضي. لكن المدلول الأهم فات الكثيرين: توقيت ظهور ذلك الشريط.لقد ظهر ذلك الفيلم (وكالعادة) على موقع في شبكة الانترنت بعد تفجر فضيحة تعذيب السجناء في أبو غريب، وهو اذ يبدو ردا على ما كان يجري في أبو غريب فانه تماما مثل فتوى بن لادن عن مكافآت الذهب للمجاهدين، حولت الاهتمام بعيدا عن تلك الفضيحة.
لقد ظهر رجال ملثمون في الشريط يرتدون ثياباً قاتمة فيما ألبس الرهينة بدلة فاقعة الألوان تذكرنا بعمال النظافة في المطارات. لم يكن هناك أي تفسير منطقي لاختيار هذا اللون بالذات من قبل مجاهدين لم يعرف عنهم كل هذا الشغف بالكاميرا إلى حد اختيار لون يصعب ان تنساه العين والذهن. الأكثر من هذا ان التحقق من هوية الخاطفين ومنفذي الإعدام بدا أصعب من التحقق من صوت بن لادن (من يفعل على أية حال).
فليس للزرقاوي أية تسجيلات صوتية يمكن مقارنتها مع ذلك الشريط وليست له اية ملامح جسمانية محددة او فارقة وليس هناك معاصرون يمكن الرجوع لهم سوى أهله. وفي الوقت الذي يظهر بن لادن مكشوف الوجه دائما، بل يحرص على تفاصيل معينة بحد ذاتها (السترة القتالية، بندقية الكلاشينكوف، البيوت المدمرة)، فان مشهد ذبح الرهينة بيرغ هو الفيلم الوحيد المنسوب للزرقاوي وفيه بدا (انسجاما مع الرواية الرسمية المتداولة) ملثما.
بيانه الأخير حول إعلان الحرب على الشيعة، ليس سوى تذكير بما تردد في الشهور الأولى لاحتلال العراق عن وثيقة منسوبة له قيل انها تتضمن مخططا لإشعال فتنة بين الشيعة والسنة في العراق. وهي وثيقة تذكرنا بذلك الفيلم الذي قيل ان القوات الأميركية عثرت عليه في قندهار غداة الحرب على أفغانستان أواخر العام 2001 . انه فيلم مضحك حقا، فهو ليس اكثر من كلب صغير و قطعة قماش على الحائط وغاز ينطلق قبل ان يسقط الجرو ميتا.
ولم تكد تلك الوثيقة (إشعال الفتنة) تتسرب إلى وسائل الإعلام، الا وكانت العمليات تحصد أرواح العراقيين من الشيعة والسنة في كل مدن العراق الرئيسية مثل بغداد والموصل وكركوك خصوصا قبل ان تمتد إلى المسيحيين. وبدا ان الزرقاوي يملك تنظيما حسن الاستعداد ومتجذراً وليس متطوعين شباناً يتسللون عبر الحدود تحركهم الحماسة الدينية. فالعمليات كانت تنم عن احتراف عال ونادرا من كانت تخطئ أهدافها، بل ان الضحايا كانوا دوما بالعشرات.
اما الأهداف فكانت اجتماعات عامة لزعماء عشائر او زعماء محليين وكان هذا كافيا بحد ذاته للاستدلال على اننا بصدد تنظيم قوي ومتمكن وذي إمكانيات لوجستية واستخبارية عالية. هذه صورة يصعب تصورها لتنظيم يظهر فجأة مع الاحتلال دون ان تكون له جذور أو خلفيات في ظل نظام صدام حسين. فالزرقاوي لم يسطع نجمه الا مع الاحتلال الأميركي للعراق وهو بحق إحدى الثمار المهمة لهذا الاحتلال،
وهو إلى هذا يكتفي بإصدار البيانات والعالم لا يعرف عنه أي شيء بعيدا عن البيانات المنسوبة له وسيرة غير مكتملة لشاب قضى وقتا من شبابه المبكر في السجن وغادر إلى أفغانستان في التسعينات. ان أولئك الذين سيبحثون عن أرشيف ما لن يظفروا بأكثر من البيانات وذلك الفيلم اليتيم وصورة وزعت باعتبارها احدث الصور وشقق مهجورة تداهمها قوات الأمن تحتوي على متفجرات وبضع أقراص كمبيوتر وأسلحة.
عدا هذا، فان حضور الزرقاوي كعدو غير مكتمل والروايات المتداولة عنه أو بالأصح أسطورته لم ينسجها سوى أعدائه.ان هذا يمكن ان يقودنا اليه الاستدلال العقلي فحسب وليس التحقيق الأمني الاستقصائي الدقيق واسمه غدا مثل اسم «تنظيم القاعدة» علامة تجارية لا أكثر وبرسم الاستعارة.
كاتب بحريني