تسلمت الأمم المتحدة نسخة نهائية من مشروع الدستور العراقي، من أجل أن تقوم المنظمة الدولية بطباعة خمسة ملايين نسخة توزع على أطياف الشعب العراقي تحضيراً للاستفتاء على المشروع في الخامس عشر من أكتوبر المقبل، يقع المشروع في 39 صفحة، توصلت إليها اللجنة المشرفة بعد صراع لا يزال مستمراً من قبل طوائف الشعب العراقي بجميع فئاته ومشاربه السياسية والفكرية وخلفيته المذهبية ومواقعه الجغرافية.

وتحركت هذه اللجنة وسط ظروف صعبة أولها؛ الإصرار على الاستجابة للموعد الذي حدده قرار مجلس الأمن رقم 1546 الذي نظم نقل السلطة إلى الحكومة العراقية وأنهى الدور الأميركي في الشأن العراقي حيث أصبح ذلك الدور في خدمة الحكومة العراقية لدعم عملها وترسيخ وجودها.

وثانيها: المعارضة المسلحة من قبل الائتلاف المسلح من جماعة الزرقاوي والبعث وبقايا جماعات صدام تسعى لتقويض عمل اللجنة مستخدمة العنف والقتل وملاحقة الشخصيات المشاركة في صياغة الدستور وفي سعيها للتفجير الطائفي من أجل إفشال المشروع الدستوري الذي يرسم خريطة جديدة للعراق.

والملاحظ أن معارضي مشروع الدستور لم يكتفوا بالدمار والقتل وإنما مارسوا العمل الدبلوماسي الخارجي حيث أرسلوا موفدين من الجماعات السنية السياسية إلى الجامعة العربية وإلى بعض العواصم ومستخدمي الفضائيات لتقوية مواقفهم والاستنجاد بالأحزاب السياسية العقائدية والدينية في تصوير الجهد الدستوري على أنه تقسيم للعراق، وإلحاق أجزاءه الجنوبية بإيران، مستفيدين من الحياد السلبي واللامبالاة العربية، وذلك من أجل تأسيس حركة إقليمية عربية إعلامية وسياسية معارضة لمشروع الدستور.

وإذا كان لبعض العواصم العربية تحفظات وتخوفات، كل وفق مصالحه، علينا في هذه الظروف استشعار المصالح الخليجية التي ليس بالضرورة أن تلتقي مع مصالح الآخرين في سوريا أو في الأردن أو في مصر، لمسببات كثيرة سنوجز بعضها:

أولاً: لم تستجب دساتير العراق، سواء الدستور الملكي عام 1925، أو دستور الجمهورية عام 1958 وكذلك دستور 1970 لواقع العراق المكون من شعوب وديانات وجذور عرقية مختلفة ومذاهب، وإنما كانت ترجمة لما يريده أصحاب السلطة سواء في العهد الملكي أو العهود التالية في النظام الجمهوري، حيث رسخت هذه الدساتير القوة والسلطة والتسيد في الأيادي السنية في الجزء الأوسط من العراق، ولم تظهر هذه الدساتير اهتماماً بشرعية مطالب تثيرها الأطياف الأخرى،

لذلك أفرزت هذه الدساتير احباطات وشعوراً بالغبن والظلم لدى الأكراد في الشمال الذين دخلوا في صراع مع الحكومة السنية المركزية المحتكرة للسلطة والسلبية جداً تجاه حقوقهم، ودخل العراق دمار الحروب الأهلية منذ أيام الملكية، لأن السنة وأصحاب السلطة تنكروا للآخرين في حرمانهم من حقوق المواطنة، ولم تحترم السلطات ولا الدستور حقوق الأقليات في المساواة، ولم يصون الدستور ضوابط المسؤوليات والامتيازات لمعاني المواطنة، وإنما وفر احتكار أهل السنة لكل شيء.

وبدلاً من تحقيق العدالة بين الناس، أفرزت الدساتير التفرقة والتعصب والشعور بالغبن والظلم، ولذلك فقد العراق الانسجام الداخلي والسلم الاجتماعي والتوافق الشعبي. ويأتي النظام الجديد معالجاً هذا الوضع، ولكن بدلاً من التدرج وبدلاً من توفير الوئام والتراضي الاجتماعي والسياسي، همش دور السنة أصحاب القوة السابقة وحولهم إلى خانة الأقليات، ولذلك لن يهدأ العراق إذا لم يتوصل السياسيون العراقيون بكل طوائفهم، إلى قناعة جماعية وقبول مريح بأهداف الدستور المقترح.

ومن المؤسف أن التباعد بين الأطياف ما زال قائماً حول المشروع. يقول نائب رئيس الجمهورية العراقية، غازي الياور، وفق ما نشرته جريدة الحياة في عددها الصادر يوم الخميس 15 الجاري، «ان قوى عراقية وطنية لها دورها الفاعل تتحفظ على الدستور وأعلنت رفضها وستعمل لإسقاطه»، بينما يقول وزير الخارجية هوشيار زيباري، «هناك إشكال دستوري لأن العراق يضم قوميات ومذاهب أخرى ولا يمكن إجبار ستة ملايين عراقي من أكراد وآشوريين وتركمان على أن ينتموا للعروبة».

بصراحة يحتاج السنّة في العراق إلى تطمينات حول الفيدرالية في الجنوب، بعد أن جاء التوافق على احترامها في الشمال لصالح الأكراد، ولن تتحقق التطمينات بالمواجهات أو بالعنف كما نرى الآن أو بعدم الاكتراث وإنما بمواصلة الحوار فقط. ثانياً: عانت دول الخليج من الحزبية المتطرفة في أيديولوجيتها وفي مفرداتها السياسية سواء حزب البعث الشوفيني أو من المجموعات القومية العنصرية،

وزادت معاناتها من نظام صدام حسين ومداخلاته وأيديولوجيته في الاستخفاف القوي بسيادة دول الخليج وحقها في الحرية والاستقلال، ولم يكن النظام في عصر عارف أو قاسم مختلفاً جذرياً، وتأتي مصلحة دول مجلس التعاون في نظام عراقي فيدرالي للأكراد، وتوافقي في الوسط والجنوب، قائم على أسس ديمقراطية معبرة عن إرادة الشعب بكل طوائفه،

ومع ضمان عدم العودة إلى أنظمة أحزاب الأيديولوجية القومية التي تفرز التوتر والاضطراب وتسعى للتوسع على حساب الجيران الخليجيين تحت حجة الاندماج القومي، وهي الحيلة التي استغلها صدام حسين للعدوان على إيران وفي غزوه للكويت، وفي مداخلاته في الخليج.

أتذكر أن الوفد الخليجي الذي ذهب لمقابلة صدام عام 1985، بعد قمة مجلس التعاون في مسقط سجل في محضر اللقاء بأن صدام حسين توعد بالعقاب ضد دول خليجية قال إنها تسمح بالانسياب التجاري مع إيران، وأنه غاضب من بعض دول الخليج، اعتماداً على الوحدة العقائدية العربية التي وظفها في مغامراته.

ثالثاً: من مصلحة دول الخليج العمل مع الأردن الذي قام رئيس وزرائه بزيارة بغداد في الأسبوع الماضي، وصرح بأن عروبة العراق لا تعني تهميش الآخرين، بل لابد من مساواتهم في التمثيل في الحياة السياسية والبرلمانية وفق حقوق المواطنة للجميع، وهنا لابد من السعي الخليجي مع الأردن ومع مصر من أجل الاطمئنان على وحدة الوطن ضمن فيدرالية تقبل بجميع الأطياف السياسية والعرقية والدينية مع الاصرار على حتمية النظام الديمقراطي للعراق مع ممارسة الحريات للجميع..

ودون ذلك سيعود العراق إلى العنف العرقي والى التصدع والدمار. وواضح من هذه الرسالة بأن عودة السنة إلى احتكار القوة والهيمنة مستحيل ولن يرجع، ولابد ان تتقبل تجمعات السنة السياسية تلك الحقيقة، مع الوضوح باستحالة الانفصال شمالا أو جنوباً وان الفيدرالية هي ضمان للثقافات والممارسات الشرعية لكل الأعراق دون المبالغة في فرض الاستقرار.

رابعا: ونتكلم عن موضوع الخلاف الداخلي العراقي حول اجتثاث البعث واعتراض جماعات من السنة على ذلك، لشعور هذه التجمعات بأنها الخاسر لان البعث السابق احتضنهم ووفر لهم الامتيازات، وهنا لابد من التوقف امام الواقع التاريخي الذي نعيشه في العالم العربي لابد من الاعتراف بأن الفكر القومي العربي لم يضمن الوحدة داخل المجتمع الواحد كما نرى في العراق ولم يهزم الشعور الوطني بين كل من فلسطين والأردن،

وانحسر في العلاقات بين لبنان وسوريا، وأصيب في مقتل في الخليج، وتمادى في قمع الأقليات، وعزز الديكتاتوريات، وأعطى المغامرين تبريراً سفسطياً للابتزاز والاعتداءات، وهناك فرق بين عروبة العراق وبين طغيان النهج القومي العقائدي على سياسات العراق، ونحن في الخليج مع الأولى ونتعرض إلى الأذى من الثانية، نرى شرعية في مطالب الأكراد، وشرعية في آلام الشيعة، ولا نتفق مع التبسيط في استحضار المصالح العربية الموحدة بينما لنا اجتهادات مختلفة كشعوب وكدول.

ونحن نعيش الآن واقع مصالح الشعوب، وواقع حقوق الأقليات وواقع الظلم الذي أصاب المذاهب الدينية والسياسية في العراق، وفي غيره من الدول العربية. ونعيش حاليا فترة تستنهض هذه القوى التي ظلمت قوتها وحيويتها للتأكيد على مصالحها وإبراز هويتها ووطنيتها. لن يستفيد العراق من التداخلات الباحثة عن اندماجات قومية، وإنما حاجة العراق إلى دعم جهود التوافق عبر القبول الجماعي لمشروع الدستور.

دستور العراق المقبول جماعياً هو تدشين لمرحلة مختلفة ستؤدي إلى تبدلات اقليمية كبيرة لصالح الحرية والديمقراطية وهزيمة للأحزاب المتلبسة بثوب قومي اندماجي من اجل تكريس مصالح أقلية تفرض شرعيتها على أغلبية المواطنين تحت شعار تحقيق الاندماج القومي.

رئيس المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية ـ الكويت