أتذكرون كل هذا الكلام الذي قيل حول الإعصار كاترينا؟ الدمار كان نتيجة للتسخن الأرضي، وتفاقم بسبب وجود أعداد كبيرة من الجنود في العراق، والعنصرية المستوطنة والتشريعات البيئية المهملة لم يكونا أقل سمية من الفيضان نفسه. مصادر القوة العسكرية لم تستخدم نتيجة لانعدام الكفاءة أو انعدام الرحمة. وإهمال الضحايا كان إدانة لمجتمع فج غير مبالٍ. لكن أياً من هذه «التحليلات» لم تثبت صحته بشكل مقنع وحاسم.

صحيح ان الإعصار كاترينا أظهر مسؤولين مشدوهين يذرفون الدموع ويكيلون الشتائم على جميع المستويات، وإن عجزهم عن سرعة التحرك عرض حياة بعض الناس للخطر.لكن التغطية الإعلامية أثبتت أنها لا تقل إزعاجاً وتشويشاً عن الكارثة الطبيعية والحمق البيروقراطي الأولي، سواء في الأكاذيب التي روجتها أو في الحقائق التي تجاهلتها، وأثبت المعلقون السياسيون أنهم أكثر تشويشاً، بمحاولتهم استغلال الموت والهلاك لخدمة مصالحهم الحزبية.

ولم تقدم وسائل الإعلام للجمهور سوى معلومات قليلة جداً حول حقيقة ما كان يجري بين أولئك المحتجزين وسط مياه الفيضانات، وبخاصة الأضرار البشرية المتعمدة التي وقعت، وكان حرياً بهؤلاء تدعيم تغطيتهم بالأدلة قبل تقديم التحليلات الثقافية الشاملة لقصص غير مؤكدة لم تتم متابعتها إما لأنها غير صحيحة أو غير لائقة سياسياً. هل صحيح أن مئات من أفراد شرطة نيوأورليانز تركوا عملهم أو تغيبيوا عن الحضور وسط الأزمة؟

هل سمحت سلطات تطبيق القانون للسكان المتمسكين بالبقاء في المدينة ثم تجاهلت أعمال النهب والسلب في أوج الخطر وعادت لاحقاً فقط لإخلاء الناجين الذين كانوا يحاولون إعادة بناء بيوتهم فور انحسار المياه؟ هل حاول حقاً الذين انغمسوا في أعمال النهب (بحثاً عن المأكل أو الملبس) أن يخربوا النصب التذكاري الوطني الذي نجا من مياه الفيضانات؟

بيانات هستيرية كثيرة جداً صادرة عن مسؤولين غير عالمين بحقائق الأمور، نقلتها وسائل الإعلام باعتبارها حقائق ثابتة ثم ما لبثت أن أغفلتها كلياً في اليوم نفسه، وهكذا اختفت بهدوء التقارير التي تحدثت عن تجهيز «25 ألف كيس للجثث» ووجود «10 آلاف قتيل تحت ركام المدينة الغارقة»، لتحل مكانها تقارير واقعية عن قرب افتتاح المطار. والآن نسمع أيضاً تقارير تقول إن المهرجانات ستعود قريباً إلى جدولها الطبيعي.

كيف يمكن لمثل هذا التحسن الجذري أن يحدث على أطلال مدينة من الجثث كان يفترض أنها لن تتعافى قبل عقود. واستنتج معظم الناس بأنفسهم من دون مساعدة المتحذلقين بأن إحدى أسوأ الكوارث الطبيعية في التاريخ الأميركي صدمت أولاً المسؤولين المحليين والفيدراليين لدرجة أنهم فقدوا صوابهم، وكشفت عن أسوأ مظاهر السياسة في لويزيانا وحرّضت العنصر الإجرامي.

لكن سرعان ما وجد هؤلاء المسؤولون، بمن فيهم عمدة نيو أورليانز ومدير وكالة إدارة الطوارئ، موارد غير محدودة توضع تحت تصرفهم على نطاق لم يتوفر حتى في كوارث أسوأ بكثير من كاترينا حدثت أخيراً في أماكن أخرى. هل تذكرون ما حدث في فرنسا، عندما مات 15 ألف شخص مسن تركوا مهملين من دون تكييف (أغسطس 2003)،

أو الزلزال الذي ضرب مدينة بام الإيرانية (ديسمبر 2003) والذي قتل فيه 40 ألف شخص، أو الـ 200 ألف الذين ماتوا (ديسمبر 2004) غرقاً أو دفنوا تحت الأنقاض دون سابق إنذار عندما ضربت أمواج تسونامي شواطئ جنوب آسيا. لقد كشفت أزمة نيو أورليانز أيضاً شقاء طبقة بائسة كبيرة بحاجة للاهتمام من بقية أميركا، وبحاجة أيضاً لمراجعة جذرية لذاتها.

إن كليشيهات المراسلين الصحافيين حول «عنصرية» أميركا كانت في معظم الأحيان متناقضة مع الدلائل التي تظهر في مشاهد تقاريرهم المصورة. فالسود والبيض تعاونوا وعملوا بانسجام في ميسيسيبي، واستطاعوا بذلك تفادي حالة الفوضى الاجتماعية. ولقد تدفقت مليارات الدولارات، على شكل مساعدات خاصة وعامة إلى نيو أورليانز.من بقية الأميركيين القلقين على أبناء وطنهم بغض النظر عن عرقهم.

لكن أزمة نيو أورليانز أثبتت أيضاً أن وسائل الإعلام التي تبث على مدار الساعة تثير ثم تمحو قضايا الساعة المثيرة للجدل. فلقد راحت التقارير عن الوفيات تتغير من ساعة لأخرى ـ ليس بفارق العشرات بل بفارق الآلاف. وبثت شاشات التلفزة «فلاشات» ساخنة تقول بأن المياه التي غمرت المدينة مليئة بملوثات سامة تكاد تكون مميتة بمجرد اللمس،

مع أننا كنا نشاهد بأم أعيننا عمال الإنقاذ وهم يخوضون في تلك المياه ـ وأكدت التقارير أن المياه الراكدة ستغمر المدينة لشهور، مع أننا كنا نشاهد على نفس الشاشات شوارع جافة ومضاءة وبرك مياه تتبخر تحت الحرارة اللاهبة. وبرغم كل مساعي وسائل الإعلام لتحويل الكارثة الطبيعية في نيوأورليانز إلى كابوس عنصري أو ناقوس خطر لهذا الحزب السياسي أو ذاك، أو إدانة للثقافة الأميركية برمتها، فإن الكارثة لم تكن مطلقاً كذلك.

لكن مشكلتنا كانت في الصحافيين البارعين، لكن غير المثقفين، الذين لم يكن همهم البحث عن الحقيقة وانها استباق منافسيهم بقصص هستيرية وكل ذلك في سياق ضبابي لأصول اللياقة السياسية حول العرق والبيئة والحرب.فلتواصل «سي إن إن» حملتها ضد الحكومة بتصوير أكبر عدد ممكن من الجثث ولتواصل «بي بي إس» حوارات طاولتها المستديرة مع نخبويين متجهمين يبحثون في العنصرية الوطنية المزعومة.

لكن قلة قليلة من الناس ستثق بعد الآن في وسائل الإعلام التي يثبت مراسلوها ومعلقوها مرة بعد الأخرى أنهم يفتقرون للكفاءة والحياد.هل كان كثيراً على هذه المحطات أن تطلب من المراسلين النظر في التاريخ للحكم على عمليات الإنقاذ هذه بالمقارنة مع كوارث أخرى هنا وفي الخارج؟ ألم يكن بوسعها التركيز على الدقة بدل استقطاب المشاهدين بالضجة المفتعلة ـ والحرص على الأقل على ألا ترخص الصور التي تلتقطها كاميراتهم التقارير المعدة مسبقاً التي يقرأها مراسلوهم.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص لـ «البيان»