يثير تدهور الأوضاع الأمنية في العراق أسئلة محيرة بعضها استراتيجي وعميق والآخر سطحي وساذج. أما الأسئلة الساذجة فهي حول التساؤل عن من يدعم القوى الإرهابية في العراق؟ ومن يقف خلف أبو مصعب الزرقاوي؟ وهل هو عميل لمخابرات أجنبية مشبوهة، يعمل للإساءة للإسلام من خلال إشاعة الإرهاب والدعوة لقتل إخواننا الشيعة، لخلق فتنة طائفية بين السنة والشيعة، وليس في العراق وحده، ولكن على امتداد الوطن العربي.

أما الأسئلة الجادة والعميقة فهي التساؤل عن طبيعة الأسباب والعوامل الحقيقية التي قادت وتقود لتدهور الأوضاع الأمنية في العراق، ثم ما هي المسؤولية الأخلاقية والدور المطلوب من الدول الخليجية للمساهمة في إعادة الاستقرار لربوع العراق العزيز علينا جميعاً.

يبدو لي أن أهم أسباب استمرار الانفلات الأمني في العراق هو ارتكاب قوات الاحتلال الأميركية لخطأ استراتيجي بحلها الجيش العراقي بعد سقوط بغداد، ذلك أن الجيش العراقي، مثل معظم الجيوش في دول العالم الثالث يجسد أهم مؤسسات وحدة وقوة الدولة، كما أنه أحد آليات الدولة في التغلغل والسيطرة وحفظ تماسك البلاد ووحدتها، لذا فإن حل الجيش العراقي خلق فراغاً أمنياً رهيباً.

علاوة على ذلك ساهم التردد والارتباك والإخفاق في إعادة إنشاء مؤسسات أمنية فاعلة وقوية بعد حل الجيش في مضاعفة الخطأ الذي وقعت به قوات الاحتلال الأميركي بحل الجيش العراقي. وحقيقة أشارت عدد من الدراسات الأميركية الحديثة والتي منها دراسة مؤسسة راند والموسومة بعنوان «إنشاء سلطة القانون والنظام بعد الصراعات»،

وكذلك كتاب ديفيد فيليبس (خسران العراق) إلى حقيقة الفشل الأميركي في إعادة بناء الأجهزة الأمنية في مرحلة ما بعد الغزو والاحتلال للعراق. ولا شك أنه كان هناك تقصير أميركي في عملية إعادة تأسيس المؤسسات الأمنية، ولقد برز ذلك في تخبط فارنر وفريقه في الاهتمام بعملية إعادة تشكيل القوات الأمنية، ثم استمر ذلك التخبط مع عجز بريمر ثم إياد علاوي في إنشاء قوات أمن لحفظ النظام الداخلي.

ويعيد بعض المراقبين ذلك الفشل في إعادة تأسيس أجهزة الأمن إلى عدم توفر التمويل المالي ونقص في توفير الآلات والمعدات والتدريب لأفراد قوات الأمن العراقية، فضلاً عن تردد بعض العراقيين في الانضمام لقوات الأمن قبل التبين من موعد رحيل القوات الأميركية الغازية.

ونظراً للفشل الذريع والمستمر في إعادة هيكلة وإنشاء المؤسسات الأمنية في العراق، فإن عملية إعادة بناء أجهزة الدولة الأخرى أيضاً تعثرت، وصاحب ذلك جمود في جهود إعادة الإعمار الاجتماعي والاقتصادي، الأمر الذي فاقم من انتشار البطالة وتردي الأوضاع المعيشية، ليدفع ذلك كله ببعض الفئات الشابة للانضمام للمقاومة، خاصة وأن بعض تلك الفئات ذات انتماء سني وتعاني من الإقصاء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لمعاقبتها على أعمال صدام الإجرامية.

وبالتالي فإن الخطأ الاستراتيجي الآخر الذي وقعت فيه قوات الاحتلال الأميركية والحكومتان المؤقتة والانتقالية هو انتهاج سياسة اجتثاث البعث، وهي السياسة التي تبناها بريمر واستمرت عليها الحكومة العراقية الحالية، وموطن الخطأ في هذه السياسة هو أن التطرف في فصل وطرد الكوادر البعثية من مؤسسات الدولة الإدارية والأمنية والاقتصادية سياسة غير سليمة. فالجميع يعلم ان انضمام معظم العراقيين لحزب البعث خلال حكم صدام ليس لقناعتهم بأفكار حزب البعث،

ولكن لان طبيعة نظام صدام حسين الشمولي كانت تفرض على جماعات وأصحاب مهن معينة ضرورة الانضمام للحصول على وظائف معينة في الجيش والاعلام والتعليم. ولذا فان معاقبة أعضاء هذا الحزب عبر سياسة الاجتثاث ساعدت في اشعال فتيل العنف الذي تتبناه بعض الفئات الناقمة من تلك السياسية، ويؤجج ذلك اعتبارات طائفية ان معظم الفئات المستهدفة هم من السنة.

ومن هنا فان استمرار هذه السياسية بشكل مغلف ضمن مباديء الدستور الجديد يعني استمرار الخلاف والاقصاء وعدم قدرة العراقيين على تجاوز خلافات الماضي، والبقاء في دائرة تصفية الحسابات القديمة، وهذا بكل تأكيد لن يخدم المصالح الوطنية العراقية، ولذا على العراقيين انتهاج سياسية التسامح خاصة تجاه الكوادر البعثية غير القيادية وغير المسؤولة عن تجاوزات صدام حسين ونظامه السابق.

أخيراً وفي ظل الأوضاع الامنية فان العراق في مأزق شديد الحرج، ويعاني من ارث تاريخي يقوم على فلسفة الاقصاء والانتقام منذ الثورة الأولى خلال حكم عبدالكريم قاسم ومحاكم الشعب والارهاب التي صاحبها، ولذا على العقلاء من العراقيين ادراك ان المصالح الوطنية تتطلب التوقف مع النفس لتجاوز أخطاء ومرارات الماضي لبناء عراق حر كريم مزدهر.

وليس من مصلحة العراقيين الاستمرار في دوامة العنف والارهاب والقتل والحرب الطائفية، كما انه ليس من مصلحة العرب، وخاصة الخليجيين مشاهدة الدم العراقي النبيل يسيل على يد بعض الارهابيين وتجار الحروب، فان هناك حاجة ملحة من أجل المصالحة الوطنية العراقية، واعتقد ان على دول الخليج العربية تبني الدعوة لمؤتمر مصالحة وطنية تشارك فيه جميع الاطراف العراقية من سنة وشيعة وعرب واكراد وغيرهم،

وذلك لفتح صفحة من أجل مستقبل مشرق للعراق وابنائه، وربما يكون من المناسب ان تلعب دولة الإمارات دوراً مهماً في رعاية واحتضان واستضافة هذا المؤتمر، فهي دولة منزهة عن الطائفية ومنزهة عن الاطماع الاقتصادية أو العسكرية في العراق.. والله من وراء القصد.

كاتب سعودي