مرة أخرى، وكأن ما فيه لا يكفيه، العراق النازف المكتوي بألف نار ونار، من نقطة المياه المحروم منها أهل دجلة والفرات إلى نقطة الدم المستباحة والمهدورة على غير انقطاع، كان ينقصه أن يتعرض لعملية نهب واسعة، لأمواله التي هو بأمس الحاجة إلى كل فلس منها، والأدهي من ذلك أن تكون السرقة قد حصلت على يد مسؤولين من أبنائه؛ زعموا أنهم تحملوا المسؤولية لإنقاذه وانتشاله من الهاوية الواقع فيها.

بل الأكثر مرارة أن يكون هؤلاء حسب ما ذكرت التقارير والاتهامات، قد تواطأوا مع الاحتلال لسلب المال العام والسطو عليه. لقد كشفت السلطات العراقية أنها وضعت يدها على أكبر حالة فساد رسمي. مليار دولار تبخّرت من موازنة وزارة الدفاع؛ كانت مخصصة لشراء معدات عسكرية متطورة للقوات العراقية، بدلاً من ذلك، كان المستورد أسلحة تصلح كما قيل لوضعها في المتاحف، كما تبين أن صفقات الشراء لهذه المعدات قد حصلت بعقود مع وسطاء، وليس شركات أو دول.

وهي طريقة ممنوعة قانوناً لأنها تسمح برفع الكلفة أضعاف ثمنها الحقيقي وتضخيم فواتير الشراء. وأشارت الجهات الرسمية العراقية إلى أن وزير الدفاع السابق متورط في العملية، وأنه من المتوقع صدور أمر القبض عليه لمحاكمته. وهو يعيش في الأردن الآن. كما أن من المتوقع تقديم أكثر من 50 شخصية من بينهم وزراء ونواب إلى العدالة، بتهمة تورطهم في هذه القضية الفضيحة. وثمة من يتهم عناصر في القوات الأميركية الموجودة في العراق بلعب دور في هذا النهب.

بل إن الوزير المتهم حازم الشعلان، قال في معرض نفيه للتهمة إن «كل ما فعله كان بموافقة السلطات الأميركية»! والمعروف أن عشرة مليارات دولار كانت قد اختفت من الحسابات أيام الحاكم الأميركي إيان بريمر. ويومذاك تم طمس الموضوع ولفلفته ولم يعد أحد يأتي على سيرته.

كما انه من المعروف أيضاً ان برنامج «النفط مقابل الغذاء» قد رافقته فضائح متعلقة بالمليارات التي ذهبت هدراً، كما كشف تقرير لجنة التحقيق الذي صدر مؤخراً.وهكذا صار العراق أرضاً مستباحة على كل صعيد، كيانه وشعبه وأمنه وسيادته، ناهيك عن نفطه وماله. لا رقيب ولا حسيب. طبعاً لا شفقة ولا رحمة يجري التعامل معه على أساس أنه بلد سائب. وكما يقول المثل الشعبي: المال السائب يعلّم الناس الحرام.

ربما يكون ذلك من الأمور المفهومة ولو غير المغفورة ويحصل أحياناً أن يكون «حاميها حراميها» لكن الذي يصعب فهمه هو أن يكون الحامي الحرامي من أهل الدار، والدار لا تحتمل أي نزف، ولو بحجم دولار واحد. فكيف بالمليار، لو فعل ذلك الغريب فهو متوقع، لكن أن يكون ابن البلد ومسؤول، والبلد بهذه التعاسة، فذلك يرقى إلى مستوى الفجيعة.