مما لا شك فيه أن منطقتنا العربية تدفع ثمناً باهظاً لسياسة أميركية خاطئة، أضاعت إيجابيات بذلتها الإدارات السابقة لمصلحة شعوبها كتطبيق عملي لقوانين حقوق الإنسان، ولميثاق الدستور الأميركي نفسه.

وما يدفع للغرابة والدهشة، أن يرى المراقب لتطورات المنطقة، أرييل شارون وهو يتحدث باسم الإدارة الأميركية، عما يجب فعله في هذه الناحية أو تلك، أو مراعاة هذا الشرط أو ذاك، ثم يكتشف هذا المراقب، أن الضغوط الأميركية على سورية، هي نتاج شراكة أميركية ـ إسرائيلية وبالتنسيق التام والمبرمج لمشروع استعماري واحد. ‏

ولعل في تصريح شارون بالأمس أمام اللوبي اليهودي الأميركي في نيويورك ما يؤكد هذه الحقيقة. ‏

فقد قال شارون: «إن سورية أبدت رغبتها في التفاوض مع «إسرائيل» إلا أنني رفضت ذلك، لأنني لا أرغب بعرقلة الضغط الأميركي على سورية»!! ‏

هذا اعتراف صريح بأن سورية مع السلام، وأن الولايات المتحدة و«إسرائيل» ترفضان السلام، وهو يعكس كل الأضاليل الملفقة بأن سورية ضد السلام ولا تعمل من أجل تحقيقه. ‏

وسورية بالطبع لا تحتاج إلى شهادة هذا أو ذاك فيما يتعلق بعملية السلام وشروطها واستحقاقاتها، لأنها انخرطت بالفعل وليس بالقول في هذه العملية التي انطلقت من مدريد وفق مبدأ الأرض مقابل السلام وقرارات مجلس الأمن الدولي وفي مقدمتها القراران 242 و338 ولولا التهرب الإسرائيلي من استحقاقات السلام العادل والشامل والتراخي الأميركي فيما بعد لكانت المنطقة تنعم بالسلام منذ عشر سنوات على الأقل. ‏

وسورية كما هو معروف وبشهادات من الإدارة الأميركية السابقة قدمت كل ما من شأنه إنجاح مسيرة السلام ولم يكن لها شرط إلا أن يكون الهدف من المفاوضات الوصول إلى سلام عادل وشامل وفق قرارات الأمم المتحدة، لا أن يكون وفق المزاج الإسرائيلي الذي أكد فيما بعد عدم جدية «إسرائيل» بالسلام مع سورية، ثم جاءت مبادرة السلام العربية المعلنة في قمة بيروت والتي سُجلت كوثيقة أيضاً في الأمم المتحدة، لتؤكد مجدداً مصداقية موقف سورية..

ولكن الإدارة الأميركية ضربت عرض الحائط بكل ذلك، وبدأت تُظهر أكثر فأكثر تحالفها الاستراتيجي مع «إسرائيل» الذي وصل إلى مرحلة التطابق في الرؤى والأهداف وخاصة ضد سورية، لأنها رفضت المشروع الاستعماري الجديد للمنطقة والذي يتعارض ليس مع مصالح شعوبها فحسب، بل مع كل المواثيق والقوانين الدولية بما فيها قرارات الأمم المتحدة. ‏

إن المشكلة مع سورية مفتعلة، والضغوط غير مسوغة إطلاقاً، وسورية بالأساس لم تكن مشكلة، وإنما الآخرون من خلف المحيط هم الذين يفتعلون المشكلات ويريدون الهيمنة والتسلط عبر غطرسة القوة، والنظر إلى قضايا المنطقة من خلال العين الإسرائيلية وليس من خلال المصلحة الأميركية الحقيقية. ‏