الشكوى من ارتفاع أسعار النفط العالمية في الفترة الحالية وتأثيرها على أسعار الوقود في الدولة وارتباط ذلك بقطاعات كثيرة ذات صلة بغلاء المعيشة، لا بد وان تسخر الجهود في الفترة المقبلة للاستفادة من الطفرة النفطية التي تشهدها الدولة. هذه الجهود لابد أن تكون فاصلا بين مرحلة مضت تم التركيز فيها على الاستثمار في قطاعات لا يمكن الاعتماد عليها في بناء اقتصاد وطني قوي منتج ومتنوع.
وبين مرحلة أخرى تتمركز فيها الجهود حول تقليل الاعتماد على النفط الخام من خلال التحول إلى قطاعات إنتاجية كالصناعة التحويلية.في السابق كان توجيه رؤوس الأموال في الدولة إلى مشاريع صناعية يعتبر نوعاً من المجازفة في ظل خبرتنا الضئيلة في هذا المجال. أما الآن وقد أصبحت الدولة تستقبل شركات استثمارية عالمية في قطاع الصناعة، وبما أنها أصبحت قادرة على المشاركة برؤوس أموالها في شركات كبرى،
فذلك يؤكد قدرتها على التوجه في المرحلة المقبلة نحو الاستثمار في قطاعي النفط الخام والغاز ومشتقاتهما، واعتمادهما كمصدرين أساسيين للتصنيع تقوم عليهما صناعات بتروكيميائية ونفطية تدخل في معظم القطاعات الحيوية لنتمكن من الاعتماد عليها بدلاً من استيرادها من الخارج بمبالغ طائلة تفوق قيمة برميل النفط الخام الذي ننتجه.
وهو الأمر الذي يمكننا مستقبلا من تصديرها للخارج كمنتجات صناعية لاسيما وقد أصبحت بعض الدول الغربية المصنعة للبتروكيميائيات تشكو من تراجع هذه الصناعات بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج، وبسبب عدم توفر المواد الأولية. الدولة تنتج النفط الخام، ولديها المواد الأولية للتصنيع وبتكلفة مناسبة، ولديها البنية التحتية اللازمة ورؤوس الأموال التي يمكنها تشجيع هذه الصناعات، ولديها قدرات إنتاجية وتسويقية في صناعات أخرى غير التحويلية خاصة تلك التي تغذي قطاعات البناء والتشييد والسياحة،
بالإضافة إلى أنها تتمتع بسمعة اقتصادية استطاعت من خلالها جذب رؤوس الأموال الأجنبية، فما الذي يمنع إذن من التحول لتغذية هذا القطاع الصناعي الذي من شأنه تنويع مصادر الدخل في الدولة وتقليل الاعتماد على النفط الخام الذي لا يستفاد منه حاليا بالشكل الذي ينبغي في ظل غياب الصناعات التحويلية القائمة عليه وعدم التوسع في الموجود منها حاليا بنسبة قليلة. إذا كان سعر برميل النفط الخام قد وصل إلى 60 أو 70 دولارا، فبإمكاننا رفع قيمته إلى 400 دولار بفضل الصناعات التحويلية وعوائد استثماراتها.
بعض الدول تتخوف من الاستثمار في قطاع النفط بسبب تغير الظروف الاقتصادية والسياسية، لكننا كدولة منتجة للنفط لا نعتقد أن هذه التخوفات من الممكن أن تحول بيننا وبين ذلك. ويمكننا البدء في ذلك تدريجيا، كأن نبدأ تكرير النفط بالقدر الذي يلبي احتياجات السوق المحلي من ديزل وبنزين ومشتقات أخرى دون استيراده من الخارج، من خلال سياسة واضحة وقوانين وجدول زمني يكفل الاستمرار والاستفادة في سنوات تتراكم فيها خبرتنا ومنتجاتنا في قطاع الصناعات التحويلية.
إن خلق قاعدة صناعات تحويلية في الدولة شأنه إضافة تخصصات تعليمية جديدة في الجامعات والكليات لأبناء الدولة في قطاعي النفط والغاز والصناعات التحويلية القائمة عليهما، وشأنه إتاحة فرص عمل لخريجي الجامعات والكليات، وشأنه إعادة الاستقرار إلى الأسواق الاستهلاكية، أما متى وكيف؟ فذلك نتركه للجهات المعنية.
maysaghadeer@yahoo.com