مرة أخرى نتساءل: ما هو الإرهاب؟ في اجتماع القمة العالمية في نيويورك الذي ضم ممثلي 191 دولة تعذر التوصل إلى تعريف محدد للإرهاب يقبل به الجميع. وإذن نتساءل أيضاً: كيف جاز لمجلس الأمن الدولي أن يتبنى بالإجماع الأسبوع الماضي مشروع قرار تقدمت به بريطانيا يقضي بتجريم التحريض على الإرهاب؟ في غياب تعريف محدد واجماعي للإرهاب اضطر المندوب البريطاني إلى عرض مشروع قراره بصيغة معممة قابلة لألف تفسير وتفسير لما يمكن أن يطلق عليه عملاً إرهابياً.
هذه هي المعضلة الكبرى. فقد جرى تسييس الإرهاب بين الدول بالنظر إلى تضارب الرؤى والمصالح والمخاوف.وربما ليس هناك خلاف حول الشكل من حيث أن الإرهاب عمل يستخدم فيه العنف أيا يكون تعريفه. ولكن الآن مع إضافة مصطلح «التحريض على الإرهاب» يعود التساؤل إلى المربع الأول. فمرة أخرى يبرز تساؤل: ما هو تعبير التحريض على الإرهاب؟ فأين تنتهي حرية التعبير المشروعة ليبدأ «التحريض» غير المشروع.
وفقاً للقوانين والإجراءات الجديدة التي ابتدعتها حكومة توني بلير في بريطانيا لمكافحة «التحريض على الإرهاب» فإنه إذا أشاد خطيب مسجد في لندن بنشاط «المقاومة العراقية» ضد الاحتلال الأميركي أو المقاومة الفلسطينية «ضد الاحتلال الإسرائيلي» فإنه ربما يكون قد ارتكب جرم التحريض على الإرهاب. فالمقاومة في كلتا الحالتين تدخل ضمن تصنيف العنف من أجل غاية سياسية..
رغم ان مبادئ القانون الدولي تسمح لشعب تحت احتلال أجنبي استخدام كافة ما يملك من وسائل بما في ذلك العنف ضد القوة الاحتلالية.وقد بدا التسييس في أقبح حالاته الأسبوع الماضي أيضاً عندما جلس مندوبو الدول إلى الأمم المتحدة قبل انعقاد القمة العالمية لتحضير الخطوط العريضة لبرنامج لإصلاح الهيئة الدولية.
فقد أصر مندوب الولايات المتحدة على إسقاط أي عبارة تفيد بشرعية المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الأجنبي، ونعلم ان لهذا التسييس جذورا في توجهات السياسة الخارجية الأميركية منذ ان صنفت واشنطن فصائل المقاومة الفلسطينية كمنظمات إرهابية.وقد رأينا كيف تعرض عرب ومسلمون في الولايات المتحدة إلى محاكمة لأنهم تبرعوا بأموال لحركة «حماس». فقد اعتبر تبرعهم تشجيعاً لتنظيم إرهابي إجرامي.
ومن المثير في هذا السياق ان القانون الأميركي لا يجرم نشاط المنظمات اليهودية الأميركية في جمع تبرعات لصالح إسرائيل. فالعنف المنظم الذي تستخدمه القوة الاحتلالية الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين في المدن والقرى والمخيمات لا يعتبر ممارسة إرهابية. وقس على ذلك ممارسات القوات الأميركية ضد الأسر والأفراد في العراق من المدنيين العزل.
ويبقى السؤال معلقاً: ما هو الإرهاب؟ في لفتة نادرة انتقد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان قبل بضعة أيام ممارسات القوات الأميركية في العراق من مداهمات عشوائية يصاحبها إفراط في استخدام القوة على المدنيين.ورغم ان الأمين العام لم يستخدم عبارة «إرهاب» في هذا الصدد فإننا نتساءل: أليس هذا ضرباً من ضروب إرهاب الدولة؟