بعد الهرولة العربية للتطبيع مع الكيان الصهيوني، كان طبيعياً ومنطقياً أن تأتي الهرولة الإسلامية. فإذا كان «رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم .... على أنغامه». ويبدو أن التطبيع هو النغمة التي تطرب لها الآذان في الوقت الراهن وعلى أنغامها تفتح أبواب المساعدات الدولية وتصبح الدولة عضواً صالحاً في المجتمع الدولي.

وكما يفتح التطبيع أبواب الرضا الأميركي والعالمي فإنه يجعل القوى العظمى لا ترى في الدولة المطبعة سوى المحاسن. فكما يقول المثل العربي فإن «عين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساوئ». وهكذا يغمض التطبيع مع الكيان الصهيوني عين المتربصين عن أية مساوئ بل ويحولها إلى محاسن. فالديكتاتورية تصبح واحة للديمقراطية، والتنكيل بالأبرياء يصبح التطبيق الأمثل لحقوق الإنسان وفقا للمعاير الأميركية المزدوجة.

وقد نجحت الإدارة الأميركية في وضع جميع الدول الإسلامية في دائرة الاتهام ضمن الحرب على ما تسميه الإرهاب. وهكذا فإن المخرج الذي ارتأته أغلب هذه الدول للخروج من المأزق الأميركي وان تنفي عن نفسها هذه التهمة كان التقرب من الكيان الصهيوني والتحالف مع شارون الذي يتم تسويقه الآن على انه رجل السلام وبطل الانسحاب من قطاع غزة.

لم يعد شارون سفاح صبرا وشاتيلا كما لم تعد يداه ملطختين بدماء آلاف الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطيني على مدى السنوات الأخيرة. نسيت بعض القيادات العربية والإسلامية صور القتل بدم بارد لأطفال لا يحملون في أيديهم سوى الحجارة. كما تناسوا أيضاً عمليات الاغتيال بدم بارد وعلى مرأى ومسمع من العالم كله لقيادات العمل الفلسطيني. فقد أصبح بطل الاغتيالات باستخدام المروحيات وعلى شاشات الفضائيات لأول مرة بطلاً للسلام.

وهكذا لم يجد الرئيس الباكستاني صعوبة كبيرة في تسويق انفتاحه الكبير والمفاجئ على إسرائيل دون أن يجرؤ أحد على مجرد توجيه كلمة عتاب. وهكذا انفتحت أبواب التطبيع على مصاريعها. وبدأت الدول التي لا تربطها أدنى علاقة جغرافية مع إسرائيل من قريب أو بعيد تبادر بطلب لقاء «شارون» بوصفه مفتاح الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.

ولعل الحفاظ على السلاح النووي الذي تملكه باكستان هو أيضاً أحد مبررات التطبيع كما كان احد مبررات المشاركة الباكستانية في الحرب الأميركية على ما تصفه بالإرهاب. وبعد باكستان تأتي اندونيسيا وينفرط العقد كله. إن النظرة الخاطئة إلى الصراع العربي الإسرائيلي هي التي تجعل دولاً عربية وإسلامية عديدة تندفع إلى التطبيع.

ولابد من إعادة هذا الصراع إلى حقيقته على أساس انه صراع عقائدي وليس صراعاً على أرض محتلة. وانه ليس بمقدور أية قيادة في العالم الإسلامي التنازل عن المقدسات العربية والإسلامية في فلسطين المحتلة حتى لو قدمت بعض الدول العربية تنازلات تلو الأخرى.

fayed@albayan. ae