إن واقع التعليم في بلادنا يعاني الكثير من المشكلات الحقيقية التي تتعاظم كل يوم، وقد أصبح الأمر بحاجة إلى وقفة مخلصة وجادة وواعية تحلل هذا الواقع، وتعمل على تشخيصه، وتحدد مواطن الخلل فيه، وتقترح الحلول العملية القادرة على انتشاله من هوة الضعف؛ بحيث تتحلى بالصدق والشفافية والجرأة وتبتعد عن لغة المجاملات والتهويم في فضاء الشعارات الجاهزة.
ولعل النظر في مهنة التعليم وتأمل تجلياتها في الواقع ينبئ عن مشكلة لا نبالغ إذا وصفناها بالخطيرة؛ فمن الذي يناط به مهمة التعليم في مجتمعنا؟ وما هي المؤهلات الشخصية والمعرفية والتربوية والثقافية التي يتحلى بها هؤلاء؟ وما الغايات التي تمثلوها حين قرروا أن يكونوا معلمين؟
أذكر جيدا أنني في بداية كل فصل دراسي أوجه سؤالا إلى طالباتي ومعظمهن من كلية التربية أو كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية اللتين تتصدران قائمة الكليات في تخريج طلبة يعملون في الغالب في سلك التربية والتعليم: هل تحبين مهنة التعليم؟ فيكون الجواب في معظم الأحيان: لا. وحين أسألهن: إذن ماذا ستعملين بعد التخرج؟
يجبنني وعلى وجوههن ابتسامة من عرف المفارقة الصارخة التي ألمح إليها: معلمة. وإذا حدث وتوسعت في الحوار معهن أصل إلى نتيجة مؤسفة حقا. إنهن لا يرغبن في أن يكنّ معلمات، ولا يجدن هذه المهنة ذات مستوى، ولا تستحق كل المجهود الذي تتطلبه، ولكن لا سبيل لديهن إلا هذا السبيل.
وإذا انتقلنا إلى المدارس وقاعات الدرس وجدنا صدى ما سمعناه جليا واضحا، فكثير من المعلمات يجدن التعليم عبئا أجبرن عليه، ولو أتيحت لهن فرصة أخرى لنفدن بجلدهن، وبعضهن ضعيفات علميا يسترن هذا الضعف بالاهتمام الزائد بالمظاهر والشكليات، وبعض المعلمين، خاصة من قطع شوطا طويلا في هذه المهنة، أصبح غير قادر على التجديد، ويكاد يفتقر إلى المرونة، وقد لا يستطيع أن يمارس مهمته إلا بالأسلوب القديم القائم على الأحادية والتلقين.
لقد عرفت بطريق مباشر أو غير مباشر أنّ هناك ممارسات يمارسها بعض المعلمين تعكس جهلا بأساسيات المعرفة التي يفترض أن تكون مما حصله الطلاب الصغار فكيف بمن يعلمهم؟ بعضهم لا يملك القدرة على الكتابة الصحيحة، ولا يستطيع أن يقف معبرا عن وجهة نظره بلغة مقبولة، ومنهم من يقف ليتحدث وحده طوال الحصة متمسكا بالمركزية التي اكتسبها المعلمون في عهود قديمة ولا يرى طريقة سواها تضمن أن يحفظ التلاميذ الدرس حفظا لا تشوبه شائبة،
ومنهم من يحول نصوصا يفترض فيها أن تنقل الطالب من قراءة الكلمة إلى قراءة العالم والحياة كالقصص والنصوص الأدبية العالية التي تقوم على الإحساس بالنص وتذوقه والاستمتاع بقراءته إلى نصوص معلوماتية يسأل فيها الطلاب عن تفاصيل لا يلتفت إليها عادة، فهو لا يفرق بين النص الإبداعي والنص المعلوماتي، فكلاهما معلومات يجب أن يحفظها الطلاب، ومنهم من يستنكر أن يطلب منه العودة إلى المعجم لمعرفة معاني الكلمات التي قد تغمض على تلاميذه فيشرحها لهم!
كثير منهم ضاق ذرعا بالمناهج المطورة لأنها صعبة. إن صفة الصعوبة التي يصر عليها المعلمون لها دلالات كثيرة تنبئ عن خلل حقيقي في صفوفهم، فهم لم يقولوا إنها سيئة أو ضعيفة أو متناقضة أو غيرها من الصفات التي تعكس خللا حقيقيا في مضامين هذه المناهج. صفة الصعوبة هذه تعكس ما تتطلبه المناهج المطورة من معارف وجهود على المعلم المخلص أن يسعى لبذلها،
وما تشترطه من انفتاح ومرونة ورغبة حقيقية في تحويل التعليم إلى حوار مستمر بين جميع أطرافه بعد أن كان حوارا من طرف واحد هو المعلم دائما. إن الخروج من دائرة التعليم التقليدي القائم على الحفظ والمعتمد على التقويم غير الصادق لما اكتسبه الطلبة من معارف ومهارات والانتقال إلى التعليم الحر المبدع الذي ينأى عن تعليب عقول الطلاب وتنميطها،
ويهدف إلى فتح آفاق التفكير والمعرفة أمامهم واسعة ليكونوا شركاء حقيقيين فاعلين في تطوير مجتمعهم وبناء مستقبله- هذا النوع من التعليم لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون سهلا يسيرا. إن مقولات من مثل التعلم الذاتي والتعاوني، وتنمية التفكير النقدي والإبداعي، وتنمية الدافعية إلى التعلم وحب المعرفة والقراءة الحرة، وتنشئة المتعلمين على التحرر من نمطية التفكير ، وإتاحة المجال أمامهم للتعبير عن أفكارهم وعواطفهم بحرية وصدق من دون مصادرة أو نقد أو سخرية.
كل هذه المقولات وغيرها ستبقى مجرد شعارات فارغة بلا مضمون حقيقي صادق إذا كان واقع المعلم - في أكثر تجلياته- مخالفا بعيدا كل البعد عن متطلبات هذه المقولات وشروط تحققها. فكيف يحققها معلم لا تعد القراءة عادة راسخة من عاداته، بل صفة أصيلة من صفاته؟
كيف يحققها معلم لا يستطيع أن يتخلى عن كثير من المبادئ التربوية القديمة التي تشربها والتي أثبتت النظريات الحديثة خطأها أو فشلها؟ كيف يحققها معلم لا يرى في التعليم إلا معلومات تحفظ؟ أو كيف يحققها معلم لا يحب مهنته ولا يراها غاية طموحه وآماله؟ وهذا كله لا ينفي وجود عوامل أخرى كثيرة تسهم في بؤس واقع المعلمين في بلادنا من ضآلة الرواتب وقلة المحفزات وكثرة الأعباء.
يقول باولو فريري- وهو من أعلام التربية والتعليم والاجتماع في البرازيل الذي وصف بأنه «من أعظم التربويين قيمة في العالم خلال نصف القرن الماضي» في كتابه «المعلمون بناة ثقافة» والذي ذيله بعبارة: رسائل إلى الذين يتجاسرون على اتخاذ التدريس مهنة: «إن مهمة التدريس هي، قبل أي اعتبار آخر، مسؤولية مهنية تتطلب الجدية الفكرية الدائمة، وتحفيز دوافع التطلع المعرفي، والقدرة على الحب وعلى الإبداع وعلى الكفاءة العلمية، والابتعاد عن الاختزال العلمي،
ويتطلب التدريس القدرة على الكفاح من أجل الحرية، والتي دونها تخلو عملية التدريس من كل معنى». إن هذه المهمات العالية التي يدعو إليها فريري باعتبارها رسالة المعلم تشير إشارة قاطعة إلى خطر هذه المهنة؛ فهي مهنة ذات بعد سياسي اجتماعي، و لها دور مهم في النهوض بالمجتمع وتطوره وتحوله الاجتماعي. فلمن تناط هذه المهنة في مجتمعنا؟ وما هو واقعها؟ وأين هي من تلك الغايات التي يرسمها فريري أو غيره من التربويين في العالم؟
لا تقف مسؤولية المعلم عند حدود تزويد تلاميذه بالمعرفة، بل تتعدى ذلك إلى المشاركة الحقيقية في نموهم العاطفي والشخصي، إنه مسؤول مسؤولية مباشرة عن عملية اكتشافهم للحياة، إن عيونهم التي تتعلق به وهو يقف أمامهم لا ترى فيه مصدرا للمعلومات فقط بل تراه مصدرا للمعرفة بمعناها المطلق. فكيف يصبح الواقع مؤلما حقا حين تختزل رسالة التعليم الكبرى إلى وسائل وطرق تحاول معظمها أن تضمن أن التلاميذ قد حفظوا الدرس، وأنهم إذا سئلوا عنه أجابوا بما هو مكتوب في الكتاب أو بما قاله المعلم.
إن واقع التعليم في دولتنا يحتاج إلى وقفة تأمل وإعادة نظر بحيث يخضع المتقدمون إلى مزاولة مهنة التعليم لاجتياز متطلبات علمية وتربوية وشخصية واضحة ومحددة تضع المعلم أمام مسؤولية بناء الثقافة والمشاركة الفاعلة في النهضة والتطور، وتعطيه في المقابل حقوقه التي تنظر إلى مهنة التعليم نظرة تقدير وإجلال؛ لأننا «مع تحمل المسؤولية والإعداد العلمي ومحبة التدريس، فضلا عن الجدية وتقديم القدوة سوف نسهم في تشكيل المتعلمين تدريجيا حتى يصبحوا أشخاصا لهم حضورهم في هذا العالم».
Latifa64@emirats.net.ae
جامعة الامارات