العمليات المجتمعية هي المسارات التي تنظم عمليات التطور المجتمعي، وتتحكم بالتالي في صنع التاريخ. وتضم تلك العمليات في داخلها النظم الاجتماعية والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية والترتيبات الاجتماعية وغير الاجتماعية والأهداف العامة والوسائل والقرارات والعادات و التقاليد التي يتم من خلالها وبواسطتها إدارة كل نواحي الحياة في المجتمع.
وبسبب الارتباط الوثيق بين الأهداف والوسائل من ناحية، وبين الترتيبات الوطنية والقوانين والأعراف الدولية من ناحية ثانية، فإن العمليات المجتمعية أصبحت ذات صبغة وطنية وبعد عالمي مكنتها من العمل على مختلف الساحات المحلية والوطنية والدولية بشكل متناسق ومتكامل إلى حد كبير، مما جعل بإمكانها التحكم في عملية صنع التاريخ، بغض النظر عن رغبات وحساسيات الدول المختلفة ومصالح شعوبها المتباينة.
العمليات المجتمعية المعنية هي العملية الاجتماعية ـ الثقافية والعملية السياسية والعملية الاقتصادية والعملية الإعلامية ـ المعلوماتية. وتتصف العلاقة بين تلك العمليات بالتعاون والتنافس والتكامل في آن واحد. إذ ان اختلاف الأهداف التي تسعى كل عملية لتحقيقها وتباين الوسائل التي تستخدمها للوصول إلى مراميها جعل التنافس يسود في العلاقات بين العمليات المختلفة.
من ناحية أخرى، حتم الترابط والتكامل بين مصالح وثقافات الفئات المختلفة في المجتمع وحاجاتها الماسة لتبادل البضائع والخدمات قيام علاقة تعاونية بين العمليات المجتمعية المختلفة. واجه الإنسان الأول منذ بدء حياته على هذه الأرض العديد من التحديات الحياتية والتي كان من أهمها التعامل مع الغير من الناس. وحيث انه لم يكن بالإمكان العيش من دون التعامل مع الغير، فإن الإنسان اتجه إلى تطوير عادات وتقاليد وأعراف ولغات للتواصل مع غيره من الناس وتنظيم علاقاته الاجتماعية وغير الاجتماعية معهم.
وهذا يعني أن العملية الاجتماعية كانت أولى العمليات المجتمعية التي طورها الإنسان لمساعدته على إدارة شؤون حياته، حيث قامت بتنظيم العلاقات الأسرية أولاً ومن ثم العلاقات الاجتماعية والموقف من الآخر. وبعد تبلور العادات والتقاليد كنظام تربية في البيت وإطار مسلكي في المجتمع وموقف قيمي تجاه الغير اكتسبت العملية الاجتماعية بعداً ثقافياً، مما جعلها تغدو عملية اجتماعية ـ ثقافية واحدة ذات دور أساسي في تكوين وصيرورة المجتمع.
ورغم ميل العادات والتقاليد والأعراف عامة إلى الثبات والجمود عبر العصور إلا أن استمرار تطور الحياة، خاصة الجانب الاقتصادي منها أدى إلى تطور الثقافة، وإن كان ذلك ببطء شديد في غالبية الأحيان.لقد كان للإنسان الدور الأكبر في تشكيل وتطوير العادات والتقاليد والقيم والمسلكيات، إلا ان البيئة الطبيعية لعبت هي الأخرى دوراً مهماً في تحديد المكونات الثقافية لكل مجتمع من المجتمعات.
ومع استمرار عملية التطور المجتمعي اكتسبت العملية الاجتماعية ـ الثقافية شرعية تاريخية ومكانة قانونية منحتها قدراً كبيراً من الاستقلالية والمكانة المجتمعية. ونتيجة لذلك أصبح بإمكانها التأثير في نظرة الفرد للحياة بشكل عام، وعلاقته بالغير وموقفه من الآخر والمجتمع وحركة التاريخ بشكل خاص،
وبسبب ميلها الشديد للثبات ومقاومة التغير من ناحية، واتساع مجالات تأثيرها من ناحية ثانية، فإن العملية الاجتماعية ـ الثقافية استطاعت أن تسيطر على حياة المجتمعات الإنسانية لأكثر من مئة ألف عام بدءاً بحياة المجتمعات القبلية البدائية وحتى بدايات تطور المجتمع الصناعي.
في حوالي منتصف عصر الزراعة تبلورت العملية السياسية لتقوم بأداء دورها في حياة المجتمعات الإنسانية. ولقد جاءت تلك العملية امتداداً للسلطة الأبوية وكانت نتاجاً طبيعياً للعملية الاجتماعية ـ الثقافية أملتها حاجة المجتمع الزراعي لسلطة فوقية، وهذا جعل تلك العملية تغدو ذراعاً مهماً ورئيسياً من أذرع الهيمنة التي طورتها واستخدمتها العملية الاجتماعية ـ الثقافية بكفاءة.
ولقد بقيت العملية السياسية ضعيفة القدرة على التأثير في حياة المجتمع وقريبة من العملية الاجتماعية ـ الثقافية وخاضعة لها ردحاً طويلاً من الزمن، وذلك حتى تبلور الدولة في أواسط عصر حضارة الزراعة، حيث أخذت تلعب دوراً متنامياً في الحياة المجتمعية والدولية.
بعد استقرار المجتمع الزراعي استوجبت عمليات التطور واحتياجات الحياة المجتمعية تفرغ البعض لإدارة الأمور المتعلقة بالأمن وحل النزاعات داخل المجتمع الواحد والإشراف على اقتسام الأراضي والمياه بين المجتمعات المتجاورة. وهذا كان سبباً في تدعيم سلطة العملية السياسية وفتح المجال لتبلور العملية الاقتصادية. الا ان تطور تلك العملية كعملية مجتمعية ذات أهمية لم يحدث إلا بعد مرور قرون عديدة على قيام الثورة الزراعية واتساع النشاط التجاري بين المجتمعات المتجاورة والمتباعدة على السواء.
ولقد استمرت العملية الاقتصادية في النمو مع تزايد أعداد السكان وتباعد تجمعاتهم وقيام الدولة بالتوسع على حساب الغير ومد نفوذها ليشمل مختلف نواحي الحياة في المجتمع ويعيد صياغة العلاقات الدولية على أسس مصلحية. وكما قامت العملية السياسية بالتعاون مع العملية الاجتماعية ـ الثقافية أولاً، وذلك من أجل تثبيت أقدامها، فإن العملية الاقتصادية قامت هي الأخرى بالتعاون والتحالف مع العملية السياسية أولاً، وذلك من أجل الحصول على الدعم المطلوب لتحقيق أهدافها الذاتية.
العملية الإعلامية ـ المعلوماتية هي أحدث العمليات المجتمعية عامة وأكثرها تأثيراً في ثقافات الشعوب. ورغم عمق جذورها في التاريخ، إلا أن تلك العملية لم تتبلور بشكل واضح وفعال إلا بعد نضوج الثورة الصناعية ومؤسسة المعرفة وحدوث ثورتي الاتصالات والمعلومات في النصف الثاني من القرن العشرين. إن اتساع نشاطات البحث العلمي، خاصة الموجه منه لخدمة أغراض اقتصادية إنتاجية وتجارية واستهلاكية كان سبباً في تطور مجالي الاتصالات والمعلومات،
كما كان التطور في علوم الفيزياء والرياضيات مقدمة لتطور وسائل وتقنيات الاتصال والتي أعطت بدورها دفعة قوية للإعلام. وفي الواقع، بدأت العملية الإعلامية في التطور التدريجي مع بدايات عصر النهضة الأوروبية بعد اكتشاف الطباعة واستخدامها لنشر الكتب والأفكار الجديدة.
وبينما استمر الإعلام في خدمة العملية السياسية لقرون، جاءت ثورة المعلومات لتحول العملية الإعلامية إلى عملية إعلامية ـ معلوماتية مسخرة لخدمة كافة النشاطات المجتمعية، خاصة النشاطات الاقتصادية والنشاطات الفكرية والثقافية والدينية.خضعت العملية الإعلامية ـ المعلوماتية في دول العالم الثالث عامة لسيطرة الدولة واستخدمت لتشكيل وإعادة تشكيل مواقف العامة من الناس بما يخدم أهداف وطموحات النخبة الحاكمة.
أما في دول الغرب الديمقراطية فإن العملية الإعلامية ـ المعلوماتية خضعت عموماً لملكية شركات ومؤسسات اقتصادية خاصة وفئات ليبرالية استخدمتها للترويج لنشاطاتها وأفكارها الطبقية والعقائدية. ولقد قامت تلك الفئات ولا تزال تقوم باستخدام الإعلام لتشكيل وإعادة تشكيل مواقف الرأي العام والتلاعب في توجهات الناخبين والمستهلكين والعامة على السواء.
وفي الواقع، تقوم كل القوى المسيطرة على الإعلام في الدول المتقدمة والمتخلفة، الديمقراطية وغير الديمقراطية بالعمل الدؤوب على تشكيل قيم والتأثير في مسلكيات الشعوب بما يخدم مصالح الفئات ذات النفوذ في المجتمع من إقطاعيين ومديري شركات ومثقفين وحكام ورجال أعمال يسيطرون على ملكية وإدارة المؤسسات والقنوات الإعلامية من جرائد ومجلات ومحطات راديو وتلفزيون وغير ذلك من وسائل إعلامية.
يتضح مما سبق ان ميلاد وتطور العمليات المجتمعية جاء تباعاً، وان كل عملية ولدت في حضن العملية السابقة لها وقامت فيما بعد بمحاولة السيطرة عليها. وبينما لم تحاول أية عملية إلغاء عملية إلغاء سابقتها إلا انها حاولت الاستيلاء على دورها القيادي واستطاعت دوماً ان تتجاوزها من حيث الأهمية والتأثير في حياة الناس والمجتمع.
ان تواجد العمليات مما حتم عليها التعاون والتنافس مما خلق حالة من التكامل بين تلك العمليات، وان اختلفت أهمية دور كل منها بين مجتمع وآخر. وعلى سبيل المثال، تلعب العملية الاجتماعية ـ الثقافية دوراً أهم من دور العملية الاقتصادية في حياة المجتمعات التقليدية، بينما تلعب العملية الاقتصادية دوراً أكبر في حياة المجتمعات الصناعية منه في حياة المجتمعات الزراعية. رغم ذلك لم يعد بالإمكان وجود مجتمع عصري دون وجود تلك العمليات جميعاً.
rabiem@hotmail.com
أكاديمي أميركي من أصل عربي