إذا كانت مدينتا لندن وباريس من أكثر المدن شهرة، فإن مدناً عربية كدمشق من أقدمها في التاريخ، والقاهرة التي أطلق عليها أحد المؤرخين الانجليز، وبتعبير مصري عربي «أم الدنيا » والمصريون عندما يقولون مصر، فهم يعنون القاهرة، أما أحدث المدن العربية وأكثرها شهرة خلال السنوات الماضية بلا منازع فهي مدينة دبي، ملاذ السائحين في كل أنحاء العالم، لها تسميات كثيرة، من أشهرها «دانة الدنيا»، «لؤلؤة الخليج».
مؤخراً زرت مدينتين وأردت أن أشارك القراء انطباعاتي عنهما، زيارتي الأولى كانت لمدينة عربية خليجية. مدينة تشعرك براحة نفسية، وتدخل في نفسك البهجة والسرور بمجرد أن تطأ قدماك أرضها، هي مدينة «جدة» التي يطلق عليها عروس البحر الأحمر حيث تمتد شواطئها حوالي 80 كيلومتراً على البحر الأحمر، كما تمتلك امكانيات سياحية مميزة كفنادقها الفخمة، ومراكزها التجارية الراقية التي تجمع بين الفن المعماري الحديث والتراث السعودي، أما محلاتها فإنها تضاهي المحلات العالمية،
وهذا ما تسنى لي مشاهدته لأن زيارتي لها كانت قصيرة.جدة المدينة الثانية في المملكة العربية السعودية من حيث المساحة وعدد السكان، وفي نظري هي من أجمل مدن المملكة وتتميز بقربها من الأراضي المقدسة، يعتقد الكثيرون أن مدينة جدة تحمل هذا الاسم نسبة إلى جدتنا «حواء» نتيجة وجود قبر تاريخي لا يعرف حتى الآن من المدفون فيه.
لكن اتضح لي من وثائق رسمية أن تاريخها يعود إلى حوالي 3 آلاف سنة عندما أنشأها مجموعة من الصيادين، ثم جاءت إليها قبيلة «قضاعة» قبل أكثر من 2500 سنة ويقال انه أطلق عليها اسم أحد أبناء هذه القبيلة وهو «جدة بن جرم بن ريان بن قضاعة» ويعود نسبهم إلى الجد التاسع عشر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، هكذا تقول الوثائق الصادرة من الجهات الرسمية في المملكة.
وفي اعتقادي أن هذه المدينة الجميلة التي لا تخفى امكانياتها على أحد حتى لو زارها لفترة قصيرة، لم تأخذ إلى الآن حقها من الترويج السياحي والتسويق والإعلان عنها، على الأقل في الدول العربية، أو حتى في دول مجلس التعاون، خاصة وأننا نعيش في عصر يعتمد على السياحة كداعم أساسي للاقتصاد الوطني.
فهناك الآلاف من السائحين العرب بمن فيهم السعوديون يسافرون إلى الخارج لقضاء عطلاتهم، فلماذا لا يكون لمدينة جدة نصيب منها؟ ألا تستحق هذه المدينة أن تأخذ مكانها في سوق السياحة؟ أما المدينة الثانية التي زرتها أخيراً فهي موسكو، المدينة العريقة، المدينة التي كانت في يوم من الأيام تهز العالم برأيها عندما تطرح قضايا مصيرية شرقاً كانت أم غرباً، مدينة كانت ملجأ لكل أبناء الشعوب الفقيرة في آسيا وأفريقيا وحتى أوروبا، كانت عاصمة لدولة كانت لها كلمة مسموعة،
وتقاسمت قيادة العالم مع الولايات المتحدة. كانت جنة للفقراء والمساكين، وحلم كل إنسان لزيارتها أو الإقامة فيها، واكتشفت في زيارتي لها أنها مدينة كمدن العالم الثالث، باستثناء طبيعتها، فالغابات والأشجار المحيطة بها، وجوها المعتدل في الصيف تميزها، موسكو مازالت تعيش على صيت الماضي الذي رسخه الحزب الشيوعي،
أما حياة مواطنيها اليومية فهي عادية جداً، أصبح كل ما لديهم من وسائل للراحة مستورداً من الخارج، وبالذات من الدول الغربية، فمثلاً فيها أقدم مركز تسوق تجاري في أوروبا كما يقال، والذي بناه أحد القياصرة وهو القيصر «ايفان الرهيب» وهو معلم تاريخي في المدينة لكن كل البضائع الموجودة فيه مستوردة من أوروبا وأميركا واليابان، أما البضائع الروسية فلا وجود لها.
وقد حاولنا إيجاد هدايا مصنوعة محلياً فلم نوفق، والسؤال الذي لم نحصل له على إجابة هو كيف وماذا كان يستخدم النظام السابق؟
حتى أضخم الفنادق، فلقد بنيت حديثاً، أما التكنولوجيا المستخدمة بشكل يومي فاعتمادها الكلي على المستورد حتى الحكومية منها عندما سألت أحد المرافقين عن التكنولوجيا الروسية التي كانت أول من وصل إلى الفضاء كان رده: روسيا أثناء الحكم الشيوعي تقدمت في المجال العسكري وسباق الفضاء لتنافس الغرب وبالذات الولايات المتحدة الأميركية، لكن المسؤولين آنذاك نسوا متطلبات الحياة اليومية للشعب،
حيث كانوا يظنون أن تلك كماليات تعتبر ترفاً لا داعي له، فسألته لقد مضت الآن سنوات على القضاء على الحكم الشيوعي فماذا فعلتم؟ سكت: ثم قال نحتاج لعشر سنوات أخرى لنبدأ من جديد، وأعتقد أن الشعب الروسي إذا انطلق سوف يبدع في الفنون والتكنولوجيا، وأستطيع أن أقول إننا قد نلحق بالغرب بسرعة، لأن الشعب الروسي له امكانيات ذهنية وعقلية أكثر من امكانيات كل الشعوب الغربية،
لكن مع الأسف في الوقت الحاضر يستغل ذلك من قبل أميركا فالعلماء يهاجرون إلى أميركا التي توفر لهم فرصاً أفضل للحياة، وقد يدركون بعد وقت أن وطنهم أولى وأكثر أماناً كما فعل الصينيون من قبل.وأجمل ما شاهدت في موسكو هو الكرملين مقر الحكومات السابقة والحالية، زرنا متحفه، وبه الصور الزيتية والمجوهرات الأغلى في العالم، وهو بالفعل أغنى متحف في العالم.
زواره من أهالي موسكو وروسيا بشكل عام أكثر من الأجانب، تقطن روسيا جنسيات مختلفة وأغلبها يعيش في موسكو الذي وصل عدد سكانها إلى أحد عشر مليون نسمة إضافة إلى حوالي أربعة ملايين زائر يومياً، وخلال السنوات العشر الماضية ازداد عدد السيارات فيها ليصل إلى ثلاثة ملايين سيارة مع أن ضريبة استعمالها مرتفعة.
موسكو لوحدها تعيش على أرضها 147 جنسية مختلفة وبها 41 طائفة دينية ومذهبية ولم تشهد عبر التاريخ أي نزاع قومي أو مذهبي هكذا يقول المسؤولون فيها، بها حوالي 100 مدرسة لتعليم اللغات القومية المختلفة.لكن لا تستخدم في روسيا، إلا اللغة الروسية في جميع المدارس كما ما زالت تستخدمها شعوب بعض الدول التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي.
قلت لأحد المسؤولين مازحاً: عندما كان العرب في عز قوتهم وتقدمهم العلمي في ظل الدولة الإسلامية كانت كتبهم تترجم إلى لغات مختلفة ليستفيد منها العلماء في الغرب لكنهم رغم التقدم الذي وصلتم إليه إلا أن لغتكم لم تنتشر عالمياً وسط هيمنة اللغة الانجليزية فإذا أردتم مجاراة هذا العصر الذي لا يعترف إلا باللغة الانجليزية عليكم أن تستخدموها بجانب لغتكم.وأغرب ما شاهدت في موسكو وجود شارع جانبي سريع للمسؤولين لتخطي كل الإشارات المرورية، وهذا الجزء من بقايا النظام الشيوعي كان يستخدمه كبار المسؤولين ومازالوا!.