إذا كانت الانتخابات النيابية الألمانية قد نالت الكثير من الاهتمام الدولي، السياسي والإعلامي، فذلك لأن لنتائجها هذه المرة، انعكاسات وآثار تتعدى حدود البلد. وحتى حدود أوروبا. وبالذات على مستوى السياسة الخارجية. حقبة المستشار شرودر أعطت ألمانيا موقعاً خاصاً وبارزاً، في هذا الميدان. توجهاته وتحالفاته ومواقفه حيال الظروف والتطورات التي حصلت، وبالتحديد في منطقتنا، جعلت منه واستطراداً من بلاده، رقماً في المعادلة.
صلابة خطّه، معطوفة على ثقل ألمانيا الاقتصادي ـ الأول في أوروبا والثالث في العالم ـ، يضاف اليها تحالفه مع شيراك، كلها وفرت له هذا الحجم والدور المهمين، لاسيما وان الثنائي شرودر ـ شيراك لعب دور اللاجم والمعرقل ـ ولو بحدود ـ للاندفاع الأميركي في الشرق الأوسط خصوصاً والعالم عموماً. ومن هنا كان الاهتمام بالانتخابات وبما اذا كان الناخب الألماني سوف يسمح للمستشار ولألمانيا، بمواصلة هذا الدور أم لا؟
من هذا المنظار وبهذا المعيار، خسر شرودر وانتهى دوره، الذي نهض به، خلال السنوات الماضية، النتائج التي جاءت بها الصناديق، لن تسمح له ان يكون صاحب القرار في احسن الحالات لن يكون أكثر من شريك في ائتلاف، يكبل يديه ويقلص مساحة حركته. داخلياً وخارجياً. لاسيما وأن خصمه الذي حصد قوة موازية وأكثر في الانتخابات، معترض على سياساته الخارجية.
وبالتحديد على تباين مواقفه مع إدارة الرئيس بوش، خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط وملفاته الملتهبة، وعلى وجه التحديد العراق وإيران. بهذه الحسابات والمقاييس وبالرغم من عدم تمخض الانتخابات عن فوز ساحق أو هزيمة مدوية لطرف من الأطراف باعتبارها رست على شبه توازن بين شرودر ومركل، إلا أنه كان في الجولة فائزون ومهزومون، بقوة، خارج الحدود، من الفئة الأولى: الرئيس بوش ورئيس الحكومة البريطانية توني بلير.
كلاهما ارتاح من مشاكسات المستشار، بعد الآن، الشرق أوسطية. من الفئة الثانية: الرئيس الفرنسي شيراك، الذي خسر أقوى حليف، سواء داخل الاتحاد الأوروبي أو بمواجهة إدارة بوش. الثنائي الذي يشكل ركيزة الاتحاد تلقى ضربتين أضعفت وزنه: شيراك في التصويت الفرنسي على الدستور الأوروبي، واليوم شرودر في الانتخابات. الخاسر الثاني: تركيا.
فالمستشار من أشد المؤيدين لدخول هذه الأخيرة الى الاتحاد الأوروبي. منافسته مركل على النقيض، في هذا الخصوص. بمثل هذه المعادلة تبدلت معطيات لابد وان تلقى ترجمتها على صعيد سياسات، أوروبية ودولية عديدة. فانحسار الاعتراض الأوروبي الوازن ـ شيراك شرودر ـ على السياسات الأميركية المنفلتة ستكون له مضاعفاته السلبية بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط.