ردد الكثير من المسؤولين الإسرائيليين، عبارة واحدة بعد انسحاب جيش الاحتلال من قطاع غزة، وهي إن القطاع بمثابة دولة والسلطة الوطنية الفلسطينية فشلت في الاختبار الأول لها، عندما لم تستطع السيطرة على جموع الفلسطينيين الذين عبروا بأعداد كبيرة إلى الحدود المصرية.
ولاشك أن محاولة إسرائيل تصوير «فوضى الحرية» التي ضربت الحدود، على انه فشل للسلطة، يستهدف ترك انطباع بأن الفلسطينيين لا يستحقون دولة مستقلة، وأنهم حال الحصول عليها، سيكونون غير قادرين على تحمل مسؤولياتها وخصوصا في الجانب الأمني، وسوف يتصارعون فيما بينهم في حرب أهلية مدمرة، وهو أمر يعني في الأساس الأول إبقاء احتلال الأرض الفلسطينية حتى لا تصبح مسرحاً للفوضى التي تهدد المنطقة!
لكن هذا الأمر بالتأكيد غير صحيح، ومحاولة خبيثة من جانب إسرائيل لتشويه الفرحة الفلسطينية بانتهاء 38 عاماً من الاحتلال والإذلال والقمع والعنف والإرهاب الصهيوني الذي سعى إلى قتل الأمل في عيون أطفال فلسطين. والجميع يدرك أن ما حدث على الحدود المصرية الفلسطينية هو رد فعل طبيعي لأناس سجنهم الاحتلال في مساحة كبيرة من الأرض هي القطاع، وظل جاثما فوق معابره وحدوده، غير مقتنع بحقهم في الخروج والدخول والتواصل مع محيطهم العربي.
ليس هذا فقط، بل إن إسرائيل ووفقاً للسلطة الفلسطينية وضعت كل العراقيل، وحالت بقصد دون التوصل إلى حل بشأن المعابر، بما فيها معبر رفح، وقامت بإغلاقه لتحيل بذلك القطاع إلى سجن كبير وأهاليه إلى سجناء، وأقصت الجانب الفلسطيني عن الاتفاق الذي أبرمته مع الحكومة المصرية، وهي بذلك تتحمل وحدها فقط مسؤولية الفوضى، وما ينجم عنها من تداعيات خطيرة على مختلف الصعد.
نعم إننا نفهم هذا الأمر جيداً، لكن وهذا هو المهم، ينبغي أن تجتهد السلطة الفلسطينية في إيصاله إلى المجتمع الدولي، ليفهم أن سياسة الإقصاء التي اتبعتها الحكومة الإسرائيلية، عند خروجها بشكل منفرد من القطاع ومن دون اتفاق، استهدف إعطاء صورة سيئة عنها، مثل عدم قدرتها على ضبط الأوضاع والفلتان الأمني، الأمر الذي ساعد على رواج عمليات تهريب المخدرات، والمواد الغذائية غير الخاضعة لأي رقابة صحية، وانتعاش الأعمال غير المشروعة وغير القانونية للمهربين والمشبوهين.
أيضاً يجب على بعض الفصائل الفلسطينية أن تكف عن محاولة تصوير نفسها على أنها سلطة موازية للسلطة، حتى تتم السيطرة على الأوضاع والانتقال إلى معركة أكبر وأكثر شراسة، وهي إنهاء الاحتلال في الضفة الغربية وتحرير القدس الشريف، وإبعاد المسجد الأقصى عن المخاطر المحدقة به ومحاولات المتطرفين اليهود هدمه وإقامة ما يسمى بهيكل سليمان على أنقاضه.
إن الاختبار فعلاً جاد وحقيقي، ويتطلب تكاتفاً فلسطينياً كبيراً، للبناء على انجاز الانسحاب من غزة، وعدم جعله الأول والأخير كما يريد شارون، وهذا الأمر ليس صعباً أو مستحيلاً، بل يمكن تحقيقه من خلال فتح قنوات الحوار بين السلطة والفصائل حول مستقبل القطاع ليصبح نموذجا للحرية والمسؤولية والسلطة الواحدة مع عدم تجاهل حق الآخرين في المشاركة في القرار السياسي، لاسيما وأنهم قدموا أغلى ما يملكون وهو الدم من اجل إجبار الاحتلال على الهروب تحت جنح الظلام وهو يجرجر أذيال الهزيمة.