منذ بداية المأساة الفلسطينية برز قطاع غزة، الذي استوعب عددا كبيرا من لاجئي 1948، بوصفه معلما تاريخيا من معالم حركة التحرر الفلسطينية المعاصرة، وظل بمثابة شوكة في خاصرة إسرائيل، فهو شاهد على النكبة، وعلامة من علامات رفضها.
ففي هذا القطاع بدأت ملامح التيارات السياسية تتفاعل، حتى بات بمثابة بؤرة خصبة لنمو التيارات السياسية الوطنية والقومية واليسارية والدينية. ففيه تأسست فكرة الكيانية الفلسطينية، في المؤتمر الوطني الأول الذي عقد إثر النكبة، بزعامة الحاج أمين الحسيني(1/10/1948)، والذي انتخب «حكومة عموم فلسطين».
ومن قطاع غزة هذا انطلقت الطلائع الأولى للعمل الفدائي (1955 ـ 1956)، التي دفعت لميلاد حركة (فتح) في منتصف الستينات. وأيضا، من قطاع غزة اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى في العام 1987، ومنها انطلق التيار الإسلامي المقاوم، ممثلا بحركتي الجهاد وحماس. وها نحن اليوم نشهد بداية بشرى الخلاص والحرية والاستقلال بدءا من القطاع.
هكذا أفضت الانتفاضة الأولى (1987 ـ 1993) إلى تشكيل قناعة لدى غالبية الإسرائيليين بشأن ضرورة الخروج من جحيم أو مستنقع غزة، وهذا ما يفسر أن اتفاق أوسلو (1993) تضمن أولا الخروج الإسرائيلي من القطاع، وها هي الانتفاضة الثانية، التي اندلعت أواخر العام 2000، تفضي إلى تفكيك مستوطنات القطاع وإجلاء المستعمرين منه سواء كانوا على شكل عسكريين أو مستوطنين.
على ذلك لم يكن مستغربا ممانعة موشيه دايان لاحتلال القطاع في حرب يونيو (1967)، والاكتفاء بالدعوة لحصاره. وفي هذا السياق أيضا يمكن فهم تصريح اسحق رابين (رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق) في مطلع التسعينات، أي بعد حوالي ربع قرن من الاحتلال، بأنه «يتمنى لو يستيقظ ذات يوم ويجد غزة قد غرقت في البحر»!
ما يعكس بجلاء يأس إسرائيل من قدرتها على فرض سيطرتها على هذا القطاع، الذي لعب دورا كبيرا في تعزيز الجدل بين الإسرائيليين بشأن عدم جدوى الاحتلال وفشل السيطرة على شعب آخر وإخفاق مشروع الاستيطان. ومعضلة قطاع غزة، بالنسبة للإسرائيليين، أنه يعتبر من أهم مصادر التهديد الديمغرافي والأمني، في آن معا.
إذ يقطنه مليون ونصف المليون من الفلسطينيين، في مساحة ضيقة، لا تتعدى 360 كلم2، تعد من أعلى المناطق في العالم بالنسبة للكثافة البشرية. ويشكل اللاجئون الفلسطينيون، الذين قطنوا القطاع بعد النكبة في العام 1948، حوالي 70 بالمئة من سكانه، ويبلغ عددهم اليوم حوالي مليون نسمة، أغلبهم يسكن في ظروف صعبة في ثماني مخيمات بائسة تشرف عليها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، التابعة للأمم المتحدة.
ومشكلة القطاع، أيضا، أنه يفتقر لمصادر المياه كما للموارد الاقتصادية (زراعة وصناعة وخدمات)، بالقياس للضفة الغربية، لذلك فإن نسبة الفقر في قطاع غزة كبيرة جدا، بسبب ارتفاع نسبة البطالة ونسبة التزايد البشري لدى الفلسطينيين فيه. وقد تفاقم الأمر بعد الانتفاضة نتيجة الاعتمادية العالية على العمل في إسرائيل، وفي المنطقة الصناعية في «ايريتز»،
وكلاهما توقف بسبب ظروف الحصار والانتفاضة والإجراءات الإسرائيلية القاسية، التي ترمي إلى تجويع الفلسطينيين وإفقارهم وصولا لتطويعهم من الناحية السياسية. وما فاقم من مشكلة الاكتظاظ السكاني في القطاع أن حوالي 8000 مستوطن (في 17 مستوطنة) كانوا يسيطرون على 40 بالمئة من مساحته، في حين لم يكن يبقى للفلسطينيين سوى 60 بالمئة من مساحة القطاع التي قلص منها إجراءات الحصار وتقطيع أوصال القطاع.
جدير بالذكر أن مساحة قطاع غزة، التي لا تتعدى 360 كلم2 فقط، تشكل ما نسبته 6 بالمئة من مساحة الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، و3,1 بالمئة من مساحة أرض فلسطين التاريخية. أما المستوطنات التي تم تفكيكها في إطار خطة الانسحاب هذه فهي 21 مستوطنة من أصل 165 مستوطنة، علما أن عدد المستوطنين الذين تم إخلاؤهم لا يتعدى تسعة آلاف مستوطن، ضمنهم ثمانية آلاف في مستوطنات القطاع، وذلك من إجمالي 440 ألف مستوطن يقطنون في الضفة والقطاع.
ما يلفت الانتباه هنا هو أن الوعي بالعجز عن السيطرة على الفلسطينيين، خصوصا في قطاع غزة، انتقل حتى إلى أوساط حزب الليكود اليميني وإلى وعي قيادته، وهذا ما عبر عنه شارون، أكثر من مرة، باعترافه بأن الاحتلال مكلف للإسرائيليين أيضا، وبإعلانه إفلاس المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في قطاع غزة، وصولا لطرحه خطة الانسحاب الأحادي من القطاع، من دون أي تفاوض مع الفلسطينيين.
وكان شاؤول موفاز، وزير الدفاع الإسرائيلي أكد في تصريح له، في مستهل طرح شارون لخطته المتعلقة بالانسحاب الأحادي، بأن «المستوطنات داخل قطاع غزة ليست في خريطة مصالح دولة إسرائيل»®.ووصل به الأمر حد التصريح بأن «قطاع غزة ليس أرض آبائنا وأجدادنا..الآباء المؤسسين لاتفاق غزة وأريحا أولا ارتكبوا خطأ حين سمحوا للمستوطنات الإسرائيلية بالبقاء في قطاع غزة». (يديعوت أحرونوت 10/5/2004.
هكذا فإن صمود الفلسطينيين وتضحياتهم ومقاومتهم للاحتلال والاستيطان هي التي ساهمت في توليد قناعة لدى غالبية الإسرائيليين مفادها أنه لم يعد لديهم ما يعملونه في القطاع، وأن الأراضي المحتلة ليست مجرد «جائزة»، وإنما هي أيضا عبء سياسي وأمني واقتصادي وأخلاقي، بسبب مشكلات السيطرة على الفلسطينيين، وعواقب هذه السيطرة، التي أظهرت إسرائيل على حقيقتها باعتبارها دولة استعمارية استيطانية عنصرية، تسيطر على شعب آخر بالقوة.
ومن تفحص التحليلات الإسرائيلية يمكن ملاحظة عمق المأزق الإسرائيلي في قطاع غزة، مثلا يقول سيلفر بلوتسكر: «لنعترف بالحقيقة: لولا اندلاع هذه الانتفاضة لما فكر أي رئيس وزراء إسرائيلي، خصوصا إذا كان ارييل شارون، بالانسحاب أحادي الجانب من غزة وإخلاء كل المستوطنات منها..إسرائيل لا تنسحب الآن من غزة مرفوعة المهمة: هي تخرج ذليلة مطأطئة رأسها. نحن نرحل عن غزة كمحتلين مني احتلالهم بالهزيمة».
(يديعوت أحرونوت 12/9) أما سيما كدمون، فتحدثت عن الانسحاب من غزة على النحو التالي: «غزة، التي مجرد رنين اسمها كان يبعث على القشعريرة في ظهورنا. غزة، التي على مدى السنين أصبحت في وعينا جميعا اسما رديفا لشرك الموت، الثكل، الألم والعجز. غزة، رمز الصراع الذي لا ينتهي بيننا وبين الفلسطينيين.. 38 سنة، 193 جندياً، 75 مدنياً. هذا هو الثمن الدموي الذي جباه منا هذا المكان اللعين..هذه هي غزة، الخطيئة والعقاب لكل حكومات إسرائيل.
أكثر من 30 سنة مرت، والرجل الذي رمز أكثر من أي شخص آخر للاحتلال بأسوأ ما فيه، الرجل الذي تباهى بأنه نظف أزقة غزة من الإرهاب - هو الرجل الذي نظف قطاع غزة من التواجد الإسرائيلي». (يديعوت أحرونوت 12/9) ويصف بن كسبيت الأمر بقوله: «في إسرائيل حسم أمر ما. انتهى حلم ارض إسرائيل الكاملة، دُفن دفنة حمار، مات موتا خاطفا، بلا نزاع تقريبا. رئيس الوزراء القادم، كائنا من كان (بيبي أيضا)، سيواصل الخطوة.
حان الوقت لرسم حدود لهذه الدولة..لضرب بوابة حديدية لها وللدخول إلى البيت». (معاريف 12/9) الآن وبرغم محدودية الانسحاب الأحادي من قطاع غزة، والاجحافات الكامنة فيه بالنسبة للفلسطينيين، فإن كل ذلك لا يقلل من المعنى التاريخي له، فهذه هي المرة الأولى في تاريخ إسرائيل التي يجري فيها تفكيك مستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة،
والمرة الأولى التي يجري فيها الانسحاب لصالح الفلسطينيين وتحت ضغطهم ومقاومتهم. وفوق ما تقدم فهي المرة الأولى التي توافق فيها حكومة ليكودية على مبدأ تفكيك الاستيطان وقيام دولة فلسطينية، ولو محدودة السيادة وبحدود مؤقتة! وعلى ما يفعله أو ما لا يفعله الفلسطينيون، في قطاع غزة، سيتوقف مستقبل قضيتهم ومصير حركتهم الوطنية المعاصرة.
كاتب فلسطيني