اصدر كاتبان إسرائيليان كتابا خصصا فيه فصلا عن نهاية ياسر عرفات الغامضة وناقشا الاحتمالات كافة من التسمم الى تناول طعام فاسد إلى الإصابة بالإيدز عن طريق الحقن.. الخ، وقد سارع مسؤولون فلسطينيون الى وصف الكتاب بالمؤامرة والتشهير بعد ان قرأوا ملخصا له من وكالات الأنباء ولم يطلعوا على فحواه كاملا لان مجرد ذكر كلمة ايدز يوحي بالكثير، والواقع ان الكاتبين تحدثا عن نقل الايدز إليه عن طريق الحقن وليس الإصابة عن طريق الجنس مثلا.

وكان العبد الفقير لله قد أثار في مقالات عدة في الصحافة الفلسطينية موضوع اغتيال عرفات وأشار إلى إهمال وتراخي واحتكارية وضعف وانتهازية الحلقة الضيقة التي أحاطت بعرفات في سنواته الأخيرة بعد فرض الحصار حتى تحول إلى رهين المحبسين.. محبس الاحتلال الذي يحاصره ومحبس الحلقة الضيقة من حوله والتي ضيقت الخناق عليه وصارت تتحكم في قراراته وتصرفاته..

وأشرت في أكثر من مقال إلى خطورة هذا الوضع والى ان عرفات بات يحمي الفاسدين في مقال نشرته قبل مرضه.وقد سألته في شهر أكتوبر 2004 هذا السؤال مباشرة في مكتبه وقلت له «لماذا عندما تثار شبهات بالفساد حول شخص ما نجدك تضعه إلى جانبك وتؤطره في صورك الرسمية وكأنك تريد القول انك تحميه.. لماذا تحمي الفاسدين يا سيادة الرئيس؟», وعدت الى مكتبي وكتبت هذا الكلام في الصحيفة التي أديرها في اليوم التالي حرفيا..

وأثناء حملة ابومازن الانتخابية وتوسطي بينه وبين الأخ الأسير مروان البر غوثي ليسحب ترشيحه قلت له ذات ليلة بعد ان سحب مروان ترشيحه «أخ أبومازن» أنت لست ماكرا ولكن عليك أن تثعلب قليلا وتمسك من هم حولك من جيوبهم.. مثلما كان يفعل الرئيس عرفات.. فلا تكن أسيرا لهم، فرد «لم أكن أسيرا لأحد طوال عمري»،

وبعد انتخابه لم ألتق به سوى مرتين الأولى عندما دعا الإعلاميين للقائه والثانية عندما قام سمو الشيخ عبدالله بن زايد وزير الإعلام والثقافة بزيارة رام الله في طريقه الى غزة للاحتفال بتوزيع شقق مدينة زايد السكنية، إذ كان واجبا أن أكون في استقبال وفد من دولة الإمارات يحمل المودة والخير لشعب فلسطين، وكنت قبلها بيوم لاحظت ان الصحف العبرية نشرت مقتطفات عن أحاديث تدور في مكتب ابومازن وبعضها كان حرفيا،

بمعنى ان هناك من يسرب الأخبار فكتبت مقالة محذرا أبا مازن من مسربي الاخبار وناقليها حرفيا وذكرت انه في عهد الرئيس الراحل عرفات كان هناك من يتطوع لتسريب كلام عرفات حرفيا وباللهجة المصرية كما ينطقها إلى الصحف العبرية.. وفي النهاية سربوا له ما أودى بحياته، وعندما بدأت الشبهات تدور حول بعض الأشخاص بتهمة الفساد واستغلال نفوذ مناصبهم في مكتب الرئيس عرفات نشرت اسماء البعض في كل الصحف كاملة

لكن عندما ذكرت الأسماء في مقالة لي نشرت في البيان قامت الدنيا ولم تقعد وتلقيت بعض التهديدات ولم أتراجع، وشعرت وكأن هناك من بدأ حربا خفية ضدي وزاد الطين بلة مقالة أين الشنطة؟ المنشورة في البيان والتي تتحدث عن تحقيق فلسطيني حول اختفاء «شنطة» مملوءة بالمال سافرت مع عرفات في رحلته الأخيرة إلى باريس ولم تعد، ولم يجر اي تحقيق في قضية موت صاحب الشنطة، فالاهتمام بمصير الشنطة اكبر من الاهتمام بمصير صاحبها،

ثم اشرت قبل فترة الى اختلاسات مليونية لبعض المسؤولين بعد اطلاعي على وثائق رسمية.وفي ليلة ليلاء انهمرت عبر الانترنت بيانات تصف العبد لله الفقير بارتكاب جرائم حرب وسرقات بالملايين وجهل مهني وأمية في الكتابة واعتداءات بالجملة ونهب وسلب، فعرفت ان ثمة حملة مبرمجة تديرها مجموعة من الأشخاص لكسر حدة القلم، وكانت حملة تهديدات بالقتل بدأت بعد محاولة اغتيال زميلي النائب نبيل عمرو وتصديت لها بقوة

وكتبت آنذاك أننا وان كنا نكتب بأقلام الحبر فإننا قادرون على الكتابة بقلم من رصاص أيضا.وتلاشت التهديدات لتعود من جديد ولكن من خلال بعض الكتبة والمتثقفين وخفافيش الظلام ممن لا يوقعون على بياناتهم الخبيثة. أبان حكم عرفات كان بالإمكان توجيه النقد له دون مساءلة قانونية.. فبابه مفتوح دوما وان لم يصل اليه صاحب الشكوى أمكنه إيصال رسالة..

وعند رحيله كتبت أرثيه مؤكدا على ميزة واحدة وهي انه كان واسع الصدر للنقد بل وفي جلستي الأخيرة معه قبل مرضه أشرت إلى اعتزامي إصدار كتاب يجمع المقالات التي كتبتها حول الشأن المحلي وضرورة الإصلاح وقضايا الفساد، لكن بعد رحيله أمسكت عن ذلك خشية انتقام شريحة الفاسدين التي يبدو انها بدأت تعيد تنظيم صفوفها من جديد مستخدمة ما جمعت من أموال حرام طوال السنين الماضية، وعندما سئلت في قناة الجزيرة قبل أيام عن الكتاب الإسرائيلي حول ما الذي قتل عرفات قلت: السؤال ليس ما الذي؟

بل من الذي؟ فكيف قتل ليس مهما وإنما من فعل ذلك؟ فعرفات عمليا اغتيل ثلاث مرات، مرة عندما وصل القتلة إلى حجرة نومه مثلما قال أثناء مرضه ومرة عندما دفن دون تشريح ودون معرفة سبب وفاته، ومرة عندما أهمل تراثه وأهمل ضريحه وفرض تعتيم عليه وكأنه لم يكن.فأكثر الناس ذكراً له هم الذين اختلفوا معه، وأكثر الناس إهمالا له هم الذين أكلوا منه بين يديه وحصلوا على الامتيازات والاحتكارات والعطايا منه، ومن سيحاول معرفة حقيقة موته او يعرفها سيلحق به.

عند خروجي من استوديو الجزيرة في رام الله اتصل بي الوزير السابق فريح بومدين وقال ان ما قلناه على لسان كل فلسطيني لكن أحدا لا يجرؤ على قوله، وأشار إلى أن الدكتور اشرف الكردي كان يعد كتابا عن مرض عرفات ثم تلقى ضغوطا عديدة بعضها فلسطيني لكي يتوقف عن كتابه.. وختم الوزير قوله «دير بالك على حالك».

قلت اذن سيكون السؤال التالي «من قتل حافظ»؟ أن لغز موت عرفات سيبقى حائراً حتى يجد حلاً.. فالمفارقة العجيبة هي أن الدول التي تداعت لتشكيل لجنة حول اغتيال رفيق الحريري هي نفسها التي تحاول طمس اية تساؤلات حول موت عرفات، وقد تأكدت ان الدكتور الكردي تعرض لضغوط خارجية كي يتراجع عن جهوده لتأليف كتاب عن وفاة عرفات،

ولعله ان لم يفعل ذلك سيجد بيانات عبر الانترنت تتهمه بارتكاب جرائم حرب او ما شابه من اتهامات يمكن بثها عبر مواقع مجهولة على الانترنت، فملف موت عرفات يجب ان يغلق وحتى إذا أعاد فتحه كاتبان إسرائيليان فان ذلك يرجع أساساً إلى كونهما لم يحاولا طرح استنتاجات بل مجرد استعراض فرضيات قد تتلاشى بعد حين ويبقى منها فقط أن عرفات مات بالايدز دون إضافات عن طريق الحقن المتعمد، وهكذا يتم تمويت رمز قضية بأشنع مرض.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» فلسطين