بينما تركزت الأنظار كلها على كارثة الإعصار في الولايات المتحدة، كانت الحرب في العراق مستمرة بمزيج من الأنباء السارة والسيئة، دون أن تسترعى انتباه الناس المنشغلين بكاترينا. وفيما كان اهتمام الجميع منصباً على الإعصار، قامت القوات الأميركية بتسليم زمام السيطرة على مدينة النجف الشيعية المقدسة إلى قوات الأمن العراقية التي احتفلت معبرة عن ابتهاجها بتحمل هذه المسؤولية الجديدة.

وقبل وقت ليس بالبعيد كانت القوات الأميركية قد اضطرت لاقتحام النجف تحت تهديد السلاح لتحرير المدينة ومساجدها من الميليشيات الشيعية المتطرفة التي كانت قد أخرجت من مدينة الصدر ببغداد. وبالحديث عن الأنباء السارة، هناك بالفعل بعض الأنباء السارة في مدينة الصدر، وهي حي فقير يتجمع فيه منذ زمن طويل الشيعة في بغداد رازحين تحت وطأة الفقر والبؤس.

ولقد قام الجنود الأميركيون من فرقة الفرسان الأولى التي عادت الآن الى الوطن وفرقة المشاة الثالثة، التي تولت بعدها المسؤولية هناك ـ قاموا بادارة مشاريع مدنية خاصة بهم في مدينة الصدر على مدار الـ 18 شهراً الماضية بعيداً عن الأضواء الإعلامية.

والآن بدأوا يرون بوادر للأمل في مكان لم يكن فيه بصيص أمل واستطاع الجنود تدريجيا، عبر مشروع صغير تلو الآخر، ان يحسنوا شبكة المياه في جزء من ذلك الحيّ الفقير ويصلحوا شبكة الصرف الصحي في جزء آخر ويزيلوا النفايات والقاذورات من أماكن أخرى. وعندما بدأ الجنود الأميركيون بتسيير دورياتهم في مدينة الصدر لأول مرة، كانوا يخوضون معارك شرسه كل يوم تقريباً مع الميليشيا الشيعية التي يقودها مقتدى الصدر. وتلك الأيام تعد الآن شيئاً من الماضي.

وقد ابتعد الجنود عن مشاريع الاعانة ذات الميزانيات الكبيرة مع المقاولين الاجانب، والتي تستهلك التكاليف الامنية فيها حوالي 30 بالمئة من اجمالي الأموال المنفقة على المشروع وبدلاً من ذلك أصبحوا يمنحون عقود مقاولات صغيرة إلى عراقيين يعيشون في نفس الحي وبالتالي ليس لديهم أي مشاكل امنية تذكر.

وفي الحقيقة أن بعض المسلحين الذين كانوا يقاتلون الأميركيين في يوم من الأيام أصبح لديهم الآن أعمال ثابتة في مشاريع تهدف إلى مساعدة ضاحيتهم الأصلية. وفي إطار الأخبار السارة/ الأخبار السيئة، أصدر البنتاغون أوامر فورية بإعادة 3000 جندي من لواء المشاة الـ 256 التابع لحرس لويزيانا الوطني من العراق إلى أرض الوطن، وكان السبب في عودتهم المبكرة الدمار الذي خلفه الإعصار كاترينا في ولايتهم. وبدأ بعض هؤلاء الجنود يصلون إلى بورت بولك في لويزيانا حيث ينتظرهم مستقبل مجهول.

ويأتي الكثير من رجال هذه الوحدة في الحرس الوطني من نيو أورليانز ومناطق «كاجون» لجنوب لويزيانا والتي تعرضت لأكبر دمار من جراء كاترينا. وتستعد قاعدة «فورت بولك« لإيجاد مأوى لجنود اللواء رقم 256 ولعوائلهم التي أجبرت على إخلاء منازلها بسبب العاصفة والفيضانات.

ومع ان قيادة القوات المسلحة بدأت بإرسال حوالي 15 ألف جندي من الجيش ومشاة البحرية للعمل مع 43 ألف جندي من الحرس الوطني في أعمال الأغاثة والانقاذ والمهام الأمنية على ساحل خليج المكسيك، فلقد تم إرسال حوالي 2000 جندي من الجيش إلى العراق للمساعدة في تعزيز الأمن قبيل الانتخابات الوطنية المقبلة

، وقال مسؤولون في البنتاغون ان هذه التعزيزات ستستمر برغم متطلبات عمليات كاترينا في الوطن وكالعادة فإن الأخبار السارة في العراق تفقد بهجتها بتأثير الأخبار السيئة المتمثلة في سقوط قتلى في صفوف الأميركيين بشكل يومي في تفجيرات القنابل والألغام المزروعة على جانب الطريق. وعلى الحدود العراقية السورية، سيطر «الإرهابيون» الأجانب، الذين تجندهم القاعدة ويقودهم أبو مصعب الزرقاوي، على جزء كبير من بلدة القائم الحدودية.

وكانت الولايات المتحدة تشن هجمات جوية على المنطقة وتفرض ضغوطاً متزايدة على الإرهابيين الذين يتسللون من الدول المجاورة للعراق. ان حقيقة ان المسلحين مازالوا قادرين على الاستيلاء على مثل هذه البلدات، حتى ولو لفترة وجيزة، انما هي دلالة واضحة على حقيقة ان القوات الأميركية في العراق لا تملك القوة البشرية الكافية للسيطرة على تلك المنطقة الحيوية والبقاء فيها.

وأقصى ما يمكنها فعله هو إرسال قوة خاصة لإخراجهم من البلدة، وإن كانوا يعلمون بأن المسلحين سيعودون أدراجهم حالما تخرج القوات الأميركية.إذن فلقد كان هناك أمل وألم خلال الفترة الماضية في ساحة الحرب في الخارج، تماماً كما كان الوضع في ساحة الحرب الداخلية بالمناطق الساحلية في لويزيانا وميسيسيبي وألاباما.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص لـ «البيان»