كلما حلت هذه الذكرى انقسم المحللون العرب إلى صنفين: هؤلاء يرون كل شيء أبيض وأولئك يرون كل شيء أسود! بينما العقل والحق يفرضان التمييز ويدعوان للحذر والنسبية أمام حدث جلل غيّر العلاقات الدولية وبدل موازين القوى وأعاد رسم الخرائط وخلط الأوراق، وفي هذا الصدد قرأت مقال أحد الكتاب الخليجيين الذين تخصصوا منذ سنوات قليلة في ذم كل ما هو عربي ومدح كل ما هو غربي.
وجاءت كتابته هذه المرة لإحياء ذكرى العمل الإرهابي الذي ضرب أميركا منذ أربع سنوات، وهو صاحب رأي حر ومحترم لكنه حين يعدد فضائل الحرب على ما يسمى الإرهاب ويعلن بأن العالم صار أفضل وأن العراق ديمقراطي وينعم بالرفاهة وأن أفغانستان أصبحت جنة وأن الأفغانيات خرجن للمدارس والمصانع، متناسياً بأن أفغانستان عادت لتصبح كما كانت، أول منتج للمخدرات في العالم مع كولومبيا!
فهذا تقييمه وهو حر فيه لكن من غير الأكاديمي والموضوعي أن يضيف الكاتب ( ...و عادت الطيور لتغرد من جديد..) ويمكن أن يكون هو الوحيد الذي تخاطبه الطيور لأن تحليله المتفائل جدا لا يوافقه عليه المفكرون الأميركان أنفسهم وعدد متزايد من أعضاء الكونغرس وحتى بعض المسؤولين الجمهوريين الكبار.
فحتى أبرز المنظرين لدى المحافظين الجدد صاحب كتاب نهاية التاريخ/ فرنسيس فوكوياما، كتب الأسبوع الماضي في «نيويورك تايمز» أخطر اتهام للإدارة الأميركية التي ـ حسب فوكوياما- اختارت سلوكيات عشوائية مخالفة للتقاليد الأميركية في التعاطي مع أزمات العالم وكانت النتيجة كارثة يصعب الخروج منها بلا ثمن باهظ!
ويعلل فوكوياما الكارثة بكون الجيش الأميركي لم يكن مؤهلا لإدارة حرب طويلة النفس مع تمرد شعبي واسع لا في العراق ولا في أفغانستان. فالنتائج التي لم يذكرها الكاتب الخليجي هي باعتراف الإدارة الأميركية مئة ألف ضحية عراقي وثلاثون ألف أفغاني وألفا أميركي، إلى جانب تزايد عمليات الإرهاب والعنف سبعة أضعاف عما كانت عليه من قبل.
بل إن فوكوياما يبلغ حد الاعتذار والأسف للحجج الكاذبة التي قدمت للرأي العام العالمي والتي مر عليها الكاتب الخليجي مر الكرام مشغولا بتغريد الطيور الأفغانية والعراقية التي لم يسمعها إلا هو..!غريب أن يسخِّر كاتب قلمه ليقول بلا حجة أو برهان كلاماً لم يقله حتى العراقيون الذين عارضوا النظام العراقي على مدى ربع قرن
وقال لي منهم قائل وهو الصديق الفاضل د. غسان عطية مدير منظمة الملف العراقي والذي كان في الثمانينات سفيرا للعراق لدى جامعة الدول العربية، قبل أن يتحول إلى معارض مستقل، قال لي: لقد تم تكليف أميركا بتغيير نظام فإذا بها تدمر دولة! وكان الخطأ الأكبر هو حل الجيش وإغلاق الوزارات وتحطيم البنية التحتية مما استحال بعده استتباب الأمن وبناء المؤسسات وإعادة الثقة وبالتالي تحقيق الديمقراطية التي يراها اليوم وحده الزميل الكاتب دون العالمين!
هذا إلى جانب الأخطاء الفادحة التي ندد بها الرأي العام الأميركي نفسه قبل سواه وشاعت صورها في الشاشات وعلى الصحف في العالم كله مسيئة لسمعة المجتمع كله لا الإدارة وحدها، فاتحة أبواب العنف على مصراعيها، هذا العنف الصادر عن شباب مسلم يتأثر بما يشاهده على الشاشات الفضائية من فظائع يشيب لهولها الوليد، فينتقل إلى الفعل بعد الإحساس بالقهر. وهي ضريبة عولمة الصورة وسهولة انتقالها وتداولها عبر الإنترنت والتلفزيونات والهواتف النقالة.
ذكرني كلام الدكتور المتفائل بالنقد الذي سبق أن وجهه الصحافي الأميركي/توماس فريدمان إلى أصدقاء الولايات المتحدة عبر العالم من خلال برنامج قناة الحرة منذ شهور، وقبل ذلك في مؤتمر الديمقراطية والتجارة الحرة الذي انعقد بالدوحة وكنا مشاركين أنا والزميل وفريدمان في أعماله عام 2002، حين دعاهم إلى تقديم النقد والنصيحة للإدارة الأميركية لا الاكتفاء باستدرار إعجابها بتعداد المحاسن وإهمال المساوئ،
وحلل الصحافي المعروف بولائه للسياسة الأميركية الراهنة الفرق بين العقل الأميركي المتقبل للنقد والعقلية العربية المتعودة على المديح والهجاء لا على التحليل والاستقصاء. فماذا يفيد العرب والأميركان اليوم أن نلغي المشاكل القائمة جملة وتفصيلا ونكتفي بسب الإرهاب والإرهابيين (وهم بالفعل يستحقون التنديد والإدانة بلا شك) وحصر المشكلة في الدعاة وعلماء الدين كأنما نشأوا فجأة في عصرنا الحاضر بينما الدعوة قائمة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وقبل أن يكتشف كريستوف كولومبس أميركا!
وستستمر الدعوة في كل الأديان لا في الإسلام وحده، فالتبشير المسيحي اليوم يملك خمس قنوات فضائية باللغة العربية دون اللغات الأخرى! ويخاطب الرأي العام العربي المسلم مباشرة ونجح في الشمال الأفريقي والشام والجاليات المسلمة في أوروبا بتنصير آلاف من الشباب المسلم!
ونغض الطرف عن أسباب تنامي الإرهاب الأعمى وتنامي العنف الأعمى بحجة الرد عليه، دون أن نتقدم قيد أنملة في مكافحته بنجاعة ونجاح ما دامت أسبابه قائمة، بل متفاقمة! ولا يتردد المفكرون والمثقفون الأميركيون أنفسهم في رصد ظواهرها ووضعها تحت مجهر العقل والتمحيص.
alqadidi@hotmail.com
كاتب تونسي