استعاد العالم الذكريات الحزينة لاعتداءات سبتمبر للسنة الرابعة، ووقف الأميركيون حداداً على أرواح الضحايا من كل دين وعرق، وقد بدأ العالم أكثر استعداداً وعزماً لمواصلة حربه على الإرهاب. اذ اتخذ مجلس الأمن وبحضور قادة العالم قراراً يحظر التحريض على العمل الإرهابي أو تبريره أو دعمه أو تمويله في جميع أنحاء العالم.

ولكن بعض كتابنا يستثمر هذه المناسبة المؤلمة ليستعرض مسلسل العمل الإرهابي المتصاعد وبخاصة في العراق وليقول لنا «لقد فشلت أميركا في حربها على الإرهاب» ولنأخذ على سبيل المثال، ما صرح به د. وليد الطبطبائي ـ عضو البرلمان الكويتي ـ حين قال: «أميركا خسرت معركة الإرهاب» لماذا؟

لأنها استفزته فخلقت المئات من بن لادن، وفرّخت محاضن الإرهاب» ـ الوطن الكويتية 16/7. ويبدو ان الكثيرين في الساحة: جماهير ونخباً يشاطرون د. وليد، هذا الرأي، ولكن دعونا نناقش المقولة ونحللها، فهل ـ حقاً ـ خسرت أميركا معركة الإرهاب؟! هناك أحداث ووقائع أساسية حصلت خلال السنوات الأربع يجب استحضارها قبل ان نحكم بفشل أو نجاح أميركا في حربها ضد الإرهاب!

الذين يقولون بفشل أميركا، ينسون أو يتناسون ان الإرهاب قبل 11/9 كان له دولة وحكومة ترعاه وتحميه وتنشره وتوفر له كل وسائل الدعم المادي والمعنوي والملاذ الآمن، وتجند له شباب العالم الإسلامي الذين تداعوا اليها من كل فج ليتدربوا في معسكرات الجهاد في أفغانستان، بل حتى الصغار في السن الثامنة جندوا في تلك المعسكرات وفي حين كان نظراؤهم الأطفال في كل مكان يلعبون ألعابهم الألكترونية، كان أطفال افغانستان يلعبون بالكلاشينكوف ليكونوا جنود المستقبل لدولة الإرهاب.

لقد زالت بعد 11/9 دولة الإرهاب، وتلاشت حكومة طالبان وتحررت أفغانستان وأصبح لها دستور مثل بقية الدول وتحررت ـ الافغانية ـ وحصلت على حقوقها وأصبحت وزيرة، والأفغان الآن على أبواب انتخابات برلمانية لأول مرة، قصم ظهر القاعدة وأصبح زعيمها مشرداً في الجبال، ومن بقي من اتباعه سيق مكبلاً ووضع في أقفاص «غوانتانامو» فمن خسر ومن انتصر؟!

واستطاعت أميركا تجييش العالم كله في حربها على الإرهاب، وبعد ان كان للإرهاب عدو واحد أصبح العالم كله أعداءه يحاربونه في كل مكان، ويقبضون على خلاياه النائمة وتصدر المحاكم القضائية أحكامها كل يوم على العناصر الإرهابية واتحد العالم أجمع في قطع دابر الإرهاب وسد كل مصادر التمويل عنه وذلك كانت أكبر ضربة للإرهاب.

عمليات تصفية القوائم الإرهابية المتتالية في السعودية وبقية الدول العربية وعمليات المداهمة والكشف عن الأسلحة في كل مكان، بل حتى السودان التي فتحت بلادها في مرحلة زمنية للإرهابيين طردتهم فلا تجد لهم أثراً الآن، والعاصمة البريطانية العتيدة التي كانت ملاذاً آمنا لهم انقلبت عليهم وبدأت عملية طردهم. لقد اصبح الإرهاب طريداً مشرداً لا ملجأ ولا مأوى يلجأ اليه غير «الفضاء الالكتروني» الذي امتلأ بالمواقع المتطرفة!!

أميركا بعد 11/9 أصبحت أعظم نفوذاً وهيمنة، وأقوى اقتصاداً، وأكثر أمناً ولم يستطع الإرهاب اختراق أمنها مرة أخرى، وتحالفاتها الخليجية والعربية زادت متانة، ووجودها العسكري في الخليج تعاظم، فمن انتصر؟ ومن خسر؟خسر الإرهابيون الدولة الحلم ـ دولة الخلافة التي طبقت الشريعة حسب مفهومهم ـ ولم يستطع الإرهابيون استعادة دولتهم ولم ينجحوا في تحقيق أي هدف ـ غير القتل والتدمير ـ ولم يصلوا الى السلطة في أي بلد. فمن خسر إذن؟!

هل حقاً ـ أميركا ـ استفزت الإرهاب؟! ماذا يريد البعض من أميركا؟ هل يريدون منها ألا تتلقى الضربة في عقر دارها وتسكت خشية استفزاز الإرهاب ـ بالمناسبة، صدام رفض الانسحاب من الكويت بحجة ان الجامعة العربية استفزته حين طلبت الانسحاب؟! ثم من الذي استفز الآخر أولاً؟ من الذي بدأ بضرب الأميركيين في الخبر والصومال والسفارتين والمدمرة كول وأخيراً البرجين؟!

هل المطلوب من أعظم قوة، استرضاء الإرهاب وتدليله؟! لقد جرب ذلك من قبل دول كثيرة فما أجدى؟!

دول عربية وغربية عديدة جربت أسلوب الحوار مع الإرهابيين، ودول عديدة أعلنت عفواً عاماً عنهم وكانت عاقبة كل ذلك خسراً، دول عديدة استرضت الإرهاب اتقاءً لشره، فسخرت فضائياتها للطرح الإرهابي وتبريره والدفاع عنه من ناحية، وشتم الأميركيين، وتجريمهم من ناحية أخرى، فما كان كل ذلك عاصماً من الوباء الإرهابي؟! لم يجد الحوار ولا الاسترضاء ولا العفو إذ لا يعرف الإرهاب إلا لغة واحدة (السلاح) والضربات الاستباقية الأمنية.

دعونا نسأل: ماذا كان سيحدث لو لم تضرب أميركا القاعدة وطالبان؟! ماذا كان سيحدث لو تركت أميركا جماعة القاعدة وقوى التطرف تكبر وتنمو وتحشد السلاح وتدرب اتباعها وتجند شباب العالم الإسلامي؟ هل كنا قادرون عليها؟! لنحمد الله هذا الاستقرار الذي أجهض المشروع الإرهابي وأخرج الإرهابيين من صياصيهم وأوكارهم.

يقول البعض: أميركا خلقت المئات من ابن لادن و(فرّخت) محاضن الإرهاب ـ دعونا نتفق معه ـ هذه المرة ـ ولكن بعد تنقيح العبارة، فنستبدل بكلمة (خلقت) كلمة (كشفت) وبكلمة (فرّخت) كلمة (أظهرت) فتكون العبارة الدقيقة، هي ـ أميركا (كشفت) المئات من ابن لادن، و(أظهرت) محاضن الإرهاب ـ ولنحمد لأميركا هذا الصنيع، فلولاه لبقينا في نومنا سادرين بينما الورم السرطاني الإرهابي ينمو ويتضخم ويتمكن من نفوس وعقول شبابنا ويحولهم إلى قنابل موقوتة ضد مجتمعاتهم.

نعم يُحمد لأميركا أن كشفت عن المئات من ابن لادن ـ بيننا ـ قبل أن يتحولوا إلى آلاف، وعملت خيراً أن سلطت الأضواء على محاضن الإرهاب في البنية المجتمعية وكنا في غفلة عنها، نستهين بها، ونقلل من خطرها. يجب أن نشكر أميركا أن دفعتنا لمراجعة مناهجنا التعليمية وجعلتنا نعيد النظر في خطابنا الديني والإعلامي والسياسي.

لقد زرعت قوى التطرف خلاياها في التربة المجتمعية وبدأت تتناسل وتفرخ ولولا رحمة ربك لما كان هناك أمل ولا مستقبل.

الآن، الأرض العربية تنفث ما في جوفها من خبث دفين، وتراكمات تعصبية استعلائية اقصائية مقموعة لتتطهر وتعلن براءتها من كل فكر إرهابي، فهل بعد كل هذه الحقائق تكون أميركا خسرت معركة الإرهاب؟! الإجابة لكم.

كاتب قطري