قصد الأفغانيون بنهار أمس الأحد، صناديق الاقتراع لاختيار نوابهم في المجلس التشريعي الجديد. وقد جرت العملية الانتخابية وسط شبه غابة عسكرية أمنية ـ مئة ألف رجل من القوات المحلية و30 ألفاً من قوات التحالف ما عدا القوات الباكستانية المرابطة على الحدود ـ لم تعرفها البلاد من قبل؛ لمنع التخريب على الانتخابات ولضمان أوسع مشاركة شعبية فيها. خاصة وأنها حصلت في ظل أجواء طغت عليها الاشتباكات والتهديدات وحالات الاستنفار العسكري الواسع.

وبالرغم من الأوضاع المأزومة وأجواء الخوف والتوتر؛ وكذلك بالرغم من التأخير الذي حصل ـ كان من المفروض إجراء هذه الانتخابات عام 2003 ـ بسبب التعقيدات والنزاعات التي استبدت بالحالة الأفغانية؛ إلا أن التمكن من تحقيقها أخيراً؛ كان بحدّ ذاته خطوة إلى الأمام. فلأول مرة وبعد 30 سنة من الحروب والاحتلالات والنزاعات المحلية وتقطيع لأوصال البلاد وشرايينها؛

توفرت الفرصة للناخب الأفغاني ليمارس حقه ويدلي بصوته؛ وذلك بقطع النظر عن الشوائب الكثيرة، التي أحاطت بالعملية وممارستها. كما أنها المرة الأولى التي كان للمرأة فيها دور المشارك، ولو بالاسم.فالتجربة جديدة، بالأحرى دخيلة، على المجتمع الأفغاني، الذي عانى، بما لا يقاس، من القهر والحرمان والمصادرة لحقوقه الإنسانية، وحتى الأساسية والبديهية منها.

وبهذا المقياس ما شهدته أمس أفغانستان، يشكل علامة فارقة في تاريخها، على الأقل هو اللبنة الأولى التي تؤسس لثقافة جديدة وتفتح الباب نحو آفاق واسعة.طبعاً، ليست ولن تكون المفتاح السحري لبوابة الديمقراطية، لكنها في الوقت ذاته ليست أقل من ولوج طريق جديدة، محكومة بأن تؤدي في آخر المطاف، إلى تطوير التجربة؛ إذا ما توفرت لها شروط النمو بالخبرة المتراكمة.

وإذا كان صحيحاً أن مثل هذه الشروط ما زالت بعيدة عن الساحة الأفغانية، لأسباب تتراوح بين الوجود العسكري الأجنبي على أرضها وبين تدشينها لممارسة غير معهودة في حياتها السياسية؛ فإن الصحيح أيضاً هو أن تمرين أمس ربما يكون بداية المغادرة لحقبة طغت عليها علاقات يابسة وظلامية؛ كانت وراء النزف والتمزق الذي رمى بهذا البلد المقهور على هامش التاريخ.

الآن مضت الانتخابات، وجاءت مرحلة مواجهة التحديات. وهي عديدة وقاسية، تبدأ بالأمن وتنتهي بالأفيون؛ مروراً وهذا هو الأصعب، ببناء المؤسسات وإقامة دولة القانون. وثمة تساؤلات كثيرة حول ما إذا كان الوضع الأفغاني قد بلغ محطة القدرة بعد، على معالجة هذه المعضلات والتصدّي الفعّال لها. وهو الآن على المحك وأمام الامتحان.