في جزيرة شبه مغلقة وسط نهر النيل بالقاهرة تتجاور الكنائس مع المساجد حتى حراسة الكنيسة يقوم عليها مسلمون، وفي حي شعبي قديم جداً تتلاصق محلات البيع فتجد لوحة دكان (تادروس) مجاورة للوحة أحمد، وهذا التعايش التاريخي ظل طبيعياً إلى أن تسيّس الإسلام، أو تأسلمت السياسة.
ذلك أنه من غير المنطقي أن يقود متطرفون غير أسوياء حروب المذاهب ليعلن الزرقاوي حربه على الشيعة، بينما ظل العراق كمصر في البيت الواحد شيعي وسني واشتراكي علماني، وفي بيت أحد الشيوخ والأئمة، وحتى القبائل من أولاد العمومة الواحدة نرى كل يسير في طريق مختلف عن الآخر، دون أن تعلن القطيعة وتسود العداوات والحروب..
ما يثير الغضب أن إدارة الصراع أصبحت لزعامات جاءت من قاع الحياة دون تعمق بشريعة الإسلام وسماحته، وذهبت لممارسة أحقاد ربما نبعت من جذور التربية، وإلا كيف يسود بهذا العالم الكبير بتراثه وفقهائه وعلمائه الذين ظلوا صورة مشرّفة للحضارة وتعايش الأمم والأديان، أن يصبح مثل الزرقاوي زعيم قتلة في بيئة لا تفتقر للعباقرة والزعامات التاريخية؟..
هل الجهاد أصبح لافتة تُرفع ضد كل الناس، وتعمم وفق تصنيفات وذرائع، وطرق، وترك العراق ليغرق بدمه، ويعيد نهرا دجلة والفرات مأساة التتار الذين لونوا مياه النهرين بدماء العراقيين، وأحبار كتبهم؟..
نحن أمام كارثة نرجو أن لا ينزلق إليها الأخوة الفرقاء في العراق، بأن يتحولوا إلى (زرقاويين) أو حمر، أو كلّ يتدثر برداء أسود رمزاً للحزن، لأن العراق لا يحتمل مصائب جديدة، وحتى الذين يتذرعون من المسلمين السنة أو التشكيلات الأخرى بالمقاومة، أن لا يذهبوا إلى حروب الأخوة، لأن ذلك من شأنه أن يقود الجميع إلى مقابر الموت باسم العبث.
وأن لا يظهر العراق نموذجاً لحروب قادمة بين مختلف المذاهب والأثنيات، بأن يفقد الحكماء والمثقفون والعلماء صورة الإنسان القابل للتعايش والتمازج في أرض قادرة أن تؤوي الجميع وتضعهم في مراتب الشعوب الغنية والمتقدمة بثروات العراق الكبيرة..
لقد تأسست أبجدية الحضارة على تلك الأرض قبل أن تستدل البشرية إلى حل ألغاز القوانين مثل قانون حمورابي، أو تظهر أبجدية اللغة، وأن نشهد معماراً ثقافياً وحضارياً جاء ليضع الأسس الأولى للتقدم العلمي، والاجتماعي، قبل أن يعرف العالم اكتشاف النار والزراعة، وهذا المشهد والمصدر الذي عرفه العراق يجب أن لا يدمره تتري صغير باسم الجهاد وتطهير أرض الإسلام من الكفرة، وهو من يذبح المسلمين بدم بارد.