مشكلة العراق الأمنية والسياسية والاقتصادية تكمن في الاحتلال وحده، ولا يفيد أي كلام آخر في التغطية على هذه الحقيقة الراسخة والمعروفة، والمحسوسة، والمتداولة على ألسنة السياسيين وفي مختلف وسائل الإعلام.
وبالتأكيد إن السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية، وهي المسؤولة الكبيرة والأستاذة الجامعية والمتابعة لقضايا المنطقة، لم تكن مقتنعة بما روجته أول أمس عندما قالت: «إن سورية هي المشكلة الكبرى في العراق»، وهي ستتقف يوماً ما مع ذاتها ـ كما وقف سلفها كولن باول ـ وتعتذر، وتعلن الحقيقة.
رايس خدعت نفسها أولاً وهي تقول هذا الكلام، وخدعت كذلك الأميركيين، واستهانت بعقول العراقيين، وأخطأت مدى معارف المتابعين لأحداث المنطقة.
سورية مشكلة العراق الكبرى! كيف أيتها الوزيرة المحترمة؟ هل سورية هي التي «فبركت» ذريعة أسلحة الدمار الشامل العراقية، واتخذت من هذه الذريعة حجة لغزو العراق رغم أنف الأمم المتحدة؟ هل سورية هي التي قتلت حتى الآن زهاء مئتي ألف عراقي جلهم من الأطفال، حسب تقديرات المنظمات الغربية المعنية؟
وهل سورية هي التي دمرت كل بنى العراق التحتية، وأتاحت فرص نهب ثرواته وخاصة النفط الذي لا يعرف إلا الله كم يضخ منه، وإلى أين تذهب عائدات؟ وأخيراً هل سورية هي التي تطلق قذائف الدبابات وصواريخ الطائرات على المدن والقرى العراقية، وعلى المحتفلين بالأعراس أيضاً؟
بالتأكيد لن تستطيع الوزيرة رايس الإجابة على هذه التساؤلات بالإيجاب مهما امتلكت من المعرفة والحنكة السياسية، وستقول في نفسها عندما تطرح عليها مثل هذه الأسئلة: إن الاحتلال وحده هو المشكلة الكبرى للعراق.
سورية تعمل ما في وسعها لمنع تسلل مسلحين عبر حدودها إلى العراق، والوزيرة رايس تعترف بشيء من هذه الحقيقة، ولكنها تريد المزيد، وكيف يكون هذا المزيد إذا كانت سورية تعمل ما بوسعها على حدود تتجاوز ستمئة وخمسين كيلومتراً؟ ولماذا لا يكون هذا المزيد من الجانب الأميركي المحتل للعراق والذي يملك إمكانات الدولة العظمى؟
إضافة إلى ذلك لا يمكن لأحد أن يقتنع بأن بضعة متسللين، تمكنوا بطريقة ما على سبيل الافتراض، من عبور الحدود إلى العراق، هم سبب معاناة العراق الأمنية والسياسية والاقتصادية والحياتية مشكلات العراق عميقة وكثيرة ومتشعبة وهي كلها مشكلات كبرى، والأميركيون يعرفونها جيداً.
أما سورية فهي سند حقيقي للعراق والعراقيين، وأي أذى يصيب العراق يرتد على سورية بحكم الترابط الاجتماعي والاقتصادي على أقل تقدير، وليكن بمعلوم الوزيرة رايس أن بيوت العزاء بالضحايا العراقيين التي تقام في العراق لها امتدادات في سورية، بحكم العلاقات العائلية بين البلدين الشقيقين والجارين، وسورية تبدي كل الاستعداد للمساهمة في منع إراقة دماء العراقيين، ولتمكينهم من بلوغ ما يريدون.
وقد أكدت ذلك للأميركيين ودعتهم للحوار والتعاون، وهي لا تزال عند موقفها وعلى دعوتها، لكنّ المشكلة لديهم وليست في سورية وعلاقاتها وروابطها الأخوية والاجتماعية والمصيرية مع الشعب العراقي الشقيق.