هل تغادر القوات الأميركية الاحتلالية الأراضي العراقية نهائياً؟ ومتى؟لو أن الأمر بيد الرئيس العراقي جلال طالباني لقرر بقاء الاحتلال العسكري الأميركي الى الأبد من منطلق ذاتي صرف. فالرئيس لا يستطيع ان يغادر «المنطقة الخضراء» في بغداد المحصنة بحماية عسكرية أميركية مشددة دون ان يخاطر بحياته.

ومن ناحية أخرى يدرك السيد طالباني أنه لا لكيان كردي مستقل دون حماية أميركية. ويدرك ثالثاً أنه لولا السيطرة الأميركية الكاملة على الشأن السياسي للعراق تحت الاحتلال لن يتاح لكردي مهما علا شأنه بين القلة الكردية ان يراوده مجرد حلم بأن يكون رئيساً للعراق العربي.

في مطلع الأسبوع الجاري قال الرئيس طالباني لفضائية أميركية انه يرى ان يبقى الوجود العسكري الأميركي في العراق لتوفير حماية الدولة العراقية من الدول المجاورة. ورغم انه لم يشأ الدخول في تفاصيل إلا ان المعنى المقصود واضح.

هناك ثلاث أقليات كردية في ثلاث دول محيطة بالعراق: سوريا وإيران وتركيا. ومما لا شك فيه أن هذه الدول ـ منفردة أو مجتمعة ـ تتطلع منذ الآن الى ذلك اليوم الذي تقرر فيه الولايات المتحدة تصفية وجودها الاحتلالي في العراق لتقوم بدورها بتصفية الكيان الكردي المستقل في الشمال العراقي وإزالته من على وجه الوجود حتى لا يبقى سابقة قابلة للتقليد.

لكن الخطر على الكيان الكردي العراقي لن يتوقف عند التهديد الخارجي اذا فقد الاكراد الحماية العسكرية الأميركية. فالجلاء الأميركي عن الأراضي العراقية ـ اذا حصل فعلاً ـ سيكون نتيجة لتعاظم الخسائر الأميركية على أيدي فرق وفصائل المقاومة العراقية المسلحة.

وفي هذه الحالة فإن الفراغ العسكري والسياسي الذي يخلفه الغياب الأميركي عن الساحة العراقية سوف تقوم المقاومة بملئه كلياً أو جزئياً، لا بل وحتى شيعة العراق يعارضون الاستقلال الكردي رغم تحالفهم المرحلي مع الأقلية الكردية.

ولو كان جلال طالباني شخصية ذات بصيرة نافذة لاختلفت قراءته للمستقبل الأميركي في العراق من خلال الوضع السياسي الراهن داخل الولايات المتحدة.

فقد ظلت استطلاعات الرأي تعكس خلال الأشهر القلائل الأخيرة هبوطاً متواتراً ومتسارعاً في شعبية الرئيس الأميركي بسبب التورط العسكري الأميركي في العراق. وجاءت كارثة الإعصار كاترينا لتكشف كيف تبدد إدارة بوش أموال دافع الضرائب الأميركي في مغامرات خاسرة مثل الحرب على العراق وعلى حساب أولويات داخلية مهمة مثل التعامل مع الكوارث الطبيعية.

ومع استمرار النزيف الأميركي في العراق سوف يتصاعد التذمر الداخلي في الولايات المتحدة الى مستوى انفجار شعبي عام في المطالبة بسحب القوات الأميركية.

فهل يدرك الرئيس طالباني انه بمراهنته على الحماية الأميركية انما يركب مخاطرة جسيمة؟

القادة ذوو البصيرة النافذة يفرقون بين المتغيرات والثوابت.. وعلى أساس هذا التفريق يرسمون استراتيجية المستقبل.

فهل يدرك طالباني ان الوجود العسكري الأميركي في العراق متغير بينما الثوابت في هذه الحالة تتمثل في وجود شعب يقاوم الاحتلال الأجنبي ودول مجاورة ترفض وجود كيان كردي مستقل؟