على مدى ثلاثة أيام شهد مقر الأمم المتحدة في نيويورك قمة عالمية شارك فيها أكثر من 160 رئيساً وملكاً ورئيس وزراء، إحياء للذكرى الستين لتأسيس المنظمة الدولية. أهم ما ميز القمة هو الحديث الواسع والمكثف عن مكافحة الإرهاب وتضييق الخناق على الكلام عن الفقر والفقراء.

فرغم الخلافات والتجاذبات التي سبقت اجتماع الزعماء، تبنى مجلس الأمن الدولي قراراً يحظر التحريض على العمليات الإرهابية، والقرار لا غبار عليه بعد ان دفع العالم ومازال ثمناً فادحاً لهجمات الحادي عشر من سبتمبر على نيويورك وواشنطن.

وما تلاها من غزو لأفغانستان والعراق وتفجيرات مدريد ولندن وشرم الشيخ، غير ان قضايا مكافحة الفقر في بلدان العالم الثالث تحديداً والتي لا تقل أهمية عن ملاحقة الإرهاب لم تحظى بتعهدات واضحة يمكن ان تخفف الجوع والفاقة عن أغلب سكان الأرض.

تبارى زعماء العالم، وفى مقدمتهم الرئيس الأميركي جورج بوش ونظيره الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، في التحذير من الإرهاب ومخاطره على السلم الدولي، وضرورة تكاتف الجميع في ملاحقة الإرهابيين في كل مكان. وعند الحديث عن الفقر خفتت الأصوات، واكتفى الكبار بإطلاق الوعود «الجوفاء» على حد تعبير احد مسؤولي المنظمات العاملة ضد الفقر لأنها في الحقيقة وعود لا تسمن ولا تغني من جوع.

كما دب الخلاف حول من يتحمل فاتورة إطعام الفقراء وتكلفة مساعدات التنمية، وتنصل البعض من وثيقة أهداف تنمية الألفية التي تركز على محاربة الفقر وخفض ديون الدول الفقيرة ووقف انتشار مرض الايدز وتوفير التعليم الأساسي.

وبعد شد وجذب أعطى زعماء العالم الكبار وعوداً هي مجرد ذر للرماد في العيون، من نوع رفع العوائق عن حرية التجارة الدولية، بما يمنح الفقراء فرصة الحصول على دخل أفضل من ناتج التجارة العالمية التي تهيمن عليها الدول الكبرى.

هذا كل ما يمكن تقديمه في وقت يبقى فيه كما تقول منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) 843 مليون شخص في البلاد النامية جياعاً وأكثر من مليار شخص يعيشون على اقل من دولار واحد في اليوم ناهيك عن تدني التعليم والأزمات الاقتصادية الخانقة التي تتجلى في ملايين العاطلين عن العمل.

الشعور بالظلم الذي قد يدفع البعض إلى الانخراط في صفوف الإرهابيين، وثيق الصلة بتفشي الجهل والأمية، وانتشار الأمراض القاتلة في البلدان الفقيرة التي تحتاج من أغنياء العالم نظرة، لا نقول عطف، وإنما نظرة منصفة تعيد إلى شعوب جرفت ثرواتها في الحقبة الاستعمارية لصالح ثراء البلدان الكبرى ورفاهية أبنائها.

ومن حق الفقراء ان يجدوا آذانا صاغية، وهو ما لم تفلح في تحقيقه قمة العالم في نيويورك، التي انغمست فيما يشبه المونولوج والنغمة الواحدة في العزف على موجة محاربة الإرهاب ذات اللحن الأميركي.