ثمة أمر خطير بات يدق أبواب بيوتنا، بل وحتى مخادعنا وغرف نومنا نحن المسلمين والعرب بشكل خاص يبدو وكأننا غافلون عنه تماماً، إنه «حرب الأفكار» التي تغزو بلداننا ومجتمعاتنا بشكل لا سابق له أبداً. و«حرب الأفكار» هي ليست من نوع الاختلاف على تفسير أو تأويل الكلمات أو المصطلحات أو المقولات أو المعايير كما يظن البعض لأول وهلة!

ولا هي من نوع الحرب على الأخلاق أو إشاعة الفساد والتحلل الخلقي أو ما شابه مما يمكن أن يذهب إليه البعض الآخر المهتم «بظواهر» الأخلاق و«طقوسها» سواء بحق أو بغير حق!

إنها «حرب الأفكار» التي اختارها طلاب الحروب ومصاصو الدماء والباحثون عن الربح السريع والتواقون للهيمنة والسيطرة على الموارد الرئيسية في العالم والمتكدس منها بكثافة في عالمنا العربي والإسلامي وفي مقدمتها المياه والنفط والغاز والمعادن الثمينة.

إنها «حرب الأفكار» التي تقلب الموازين رأساً على عقب، «حرب الأفكار» التي تحرض على الجميع دون استثناء عدا «السيد» الامبراطوري الذي يحلم بالسيطرة والهيمنة على الجميع دون استثناء.

«حرب الأفكار» التي تحرض أصحاب كل ثقافة أو حضارة على أصحاب أية حضارة أو ثقافة أخرى من دون تمييز أو ترو أو تأمل فقط لأنه «آخر» لا يخضع «للسيد» الامبراطوري الذي يطالب بإلحاح بـ «عولمة» العالم تحت معيار واحد لا يقبل القسمة على شيء مطلقاً!

«حرب الأفكار» التي تحرض أصحاب الديانات السماوية على بعضها البعض، «حرب الأفكار» التي تحرض القوميات، على بعضها البعض، «حرب الأفكار» التي تحرض الطوائف والملل والنحل على بعضها البعض، «حرب الأفكار» التي تحرض الدول والأحزاب والقوى والمنظمات كلها على بعضها البعض.. الخ.

لكنها بالمقابل تطالبك بإلحاح وتلزمك بقوانين ومشاريع قرارات دولية تمنع «التحريض» على مقاومة «حرب الأفكار» هذه! وتتهمك متلبساً «بجريمة» الإرهاب حتى إذا ما ألقيت خطاباً يدافع عن حق الشعوب والأمم في الدفاع عن قضاياها العادلة!

أليس هذا هو مضمون المشروع الذي مررته أميركا في القمة العالمية الأخيرة رافضة التعديلات التي أرادت التمييز بين المقاومة والإرهاب أو الاتفاق على الأقل على تعريف واضح ومحدد للإرهاب يأخذ بعين الاعتبار ما تكفله القوانين الدولية السابقة والشرائع العرفية والسماوية من حق مكافحة كل أشكال الظلم والقمع والإرهاب المنظم الذي تمارسه قوى الاستعمار القديم والجديد في كل أنحاء العالم!

إن «حرب الأفكار» هذه هي السبب الحقيقي في بروز وتبلور ونمو حروب «التكفير» والفتن الدينية والطائفية والقومية التي باتت اليوم تتقاسم الأدوار مع «حرب الأفكار» الامبراطورية في استباحة الإنسان المسلم والعربي في بلادنا الممتدة من طنجة إلى جاكرتا.

إذا كان ما يجري في أفغانستان اليوم ليس حرباً أهلية سببها «حرب الأفكار» للسيطرة على الموارد في آسيا الوسطى والقوقاز، ومن أجل لحم التنين الصيني ومحاصرته وإخراج الروس من معركة تقاسم النفوذ والاحتواء المزدوج للقنبلتين الهندية والباكستانية، فما هو نوع هذه الحرب إذن؟!

إذا كان ما يجري من حرب تمزيقية واستئصالية وتكفيرية في العراق بين ملل وطوائف وأقوام لم تعرف يوماً «الحرب على الهوية» إلا بدخول «السيد» «المخلص» و«المحرر» لها ليست حرباً أهلية في خدمة نظرية «فرق تسد» حتى يصل الإسرائيلي إلى حدود نهر الفرات «سلماً» بعد فشله في اكتساحها حرباً، فماذا تكون إذن عناوين هذه الحروب التي تستبيح العراق اليوم وشعبه بشكل غرائزي مقيت لا سابق له؟!

وإذا كان ما يجري في لبنان من «بعث» واع لكل أشكال الكيانية اللبنانية التي تجعل اللبناني لا تستقيم «لبنانيته» ولا تستوي إلا بقتل الفلسطيني كما جاء في بيان «حراس الأرز» من اليمين الفاشي «المسيحي» الذي أفرزته «ثورة الأرز» التي ولدت تحت غطاء وحماية «الانتداب الفرنسي الأميركي الديمقراطي!».

ليست نذر حرب أهلية في خدمة «حرب الأفكار» التي تحضر لفيدرالية الفوضى البناءة في لبنان والعراق وفلسطين وسوريا وصولاً إلى إيران وتركيا ومصر والسعودية وسائر المشرق العربي والإسلامي، فما هو إذن عنوان هذه الحروب التي اشعلت عن سابق تخطيط وتصميم؟!

ثم من أدخل جمهور المسلمين في «شبهة» العداء لكل ما هو آخر، غير التوظيف الرسمي للسيد الامبراطوري لجماعة منهم في حربة الباردة ضد السوفييت قبل ظهور طالبان والقاعدة؟!

ومن أدخل الشيعة والأكراد في العراق في «شبهة» التعامل مع الأجنبي والكافر غير التوظيف الرخيص لعدد من المنتفعين والانتهازيين والعملاء الصغار ممن عجزوا عن إيجاد موقع لهم بين جمهور هذه الطائفة وتلك الملة غير «حرب الأفكار» التي خططت لفصل أكثرية هذا الشعب عن بحره العربي والمسلم ومحيطه الذي لا حياة له دون السباحة فيه أو الموت في «بحر» الكيان الإسرائيلي «الميت»؟!

ومن أدخل السنة العراقيين والعرب عموماً في «شبهة» الدفاع عن كل ما هو مستبد وديكتاتوري وظالم وبغيض غير ذلك التحالف الانتهازي الرخيص للسيد الامبراطوري مع نظام مهترئ ويفتقر إلى أبسط معايير الإنسانية مثل نظام صدام حسين محملاً عنوة تلك الطائفة الشريفة والأبية كل آثام فعلته تلك ثم يأتي ليطرح نفسه «الملاك».

والمخلص الوحيد المخول بمحاكمة هذا النظام المتهالك مبرراً بذلك كل أعمال وممارسات التكفيريين والظلاميين ومشوهاً كل أعمال المقاومة الشريفة ضد احتلاله الغاشم من جهة وفاتحاً الباب واسعاً أمام حرب أهلية وفتن طائفية مقيتة ليصبح فيها الجو متقبلاً وجاهزاً لاحتضان «الطائفة» الأقوى والطائفة «الأنقى» عرقاً.

والطائفة الأكثر تماهياً مع «حرب الأفكار» ألا وهي الطائفة الصهيونية المتمثلة بالكيان الإسرائيلي، وبذلك يصبح اللجوء إليها والتعاون معها من بعد الاعتراف بها طبعاً ـ مشروعاً ومبرراً لدرء خطر أكبر!!!

إنه عصر الفتنة الكبرى التي يراد بها ان يقتل الأخ أخاه، والزوج زوجته، والابن أباه، وان تستعدي كل ملة سائر الملل من حولها حتى يتسنى للسيد الامبراطور نهب ثرواتنا براحة بال واطمئنان خاطر!

أمين منتدى الحوار العربي الإيراني