إلى أي مدى شكلت تصريحات الرئيس بوش خلال لقائه الرئيس العراقي جلال الطالباني في البيت الأبيض ثم خلال لقائه مع نظيره الصيني في نيويورك، العقبة الأساسية أمام خيار واشنطن دفع الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن واستصدار قرار من المجلس بهذا الشأن وبالمواصفات الغربية؟

إلى أي مدى هذه التصريحات حول حق إيران بالحصول على يورانيوم مخصب من طرف ثالث لتمتلك طاقة نووية مدنية، تعكس بداية تحول أو ربما الإعلان عن هدنة المحارب في الأزمة الأميركية الإيرانية.

بعد الخط التصاعدي الحاد الذي اتخذته الأزمة منذ وصول أحمدي نجاد إلى السلطة وحتى رفع الأختام عن محطة أصفهان للوقود النووي وإنهاء قرار تعليق تخصيب اليورانيوم الذي يعمل به منذ 15 نوفمبر 2004 كخطوة حسن نية من إيران تجاه الترويكا الأوروبية في الماضي؟

هل التصريح الأميركي الذي يردده الرئيس بوش مع مسؤولي القوى الكبرى والأطراف الإقليمية المعنية بالأزمة يهدف إلى «خربطة» أوراق إيران السياسية عشية اجتماع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 19 سبتمبر للبحث في نقل الملف الإيراني إلى مجلس الأمن؟

جملة من العناصر تحكم تطورات هذه الأزمة التي دفعت البعض في أوج تصاعدها في الصيف إلى الحديث عن سيناريو حرب الخليج الرابعة:

أولاً: هنالك توافق وطني واسع جداً في إيران حول حق هذه الأخيرة في امتلاك الدورة النووية الكاملة للحصول على قدرة نووية مدنية. هذا التوافق بمثابة خط أحمر وطني في إيران، إذ يتعلق بمشاعر الكبرياء الوطنية وتحقيق المكانة الدولية والإقليمية لدولة اعتبرت نفسها دائماً، أيا كان خطابها الإيديولوجي أو اتجاهاتها السياسية.

أنها قوة كبرى إقليمية وريثة إمبراطورية كبيرة تقع في نقطة تقاطع استراتيجي بين إقليمين حساسين جداً ومفتوحين على تطورات عديدة، هما الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وفيهما عدو وخصم ومنافس قوي وهي إسرائيل وباكستان والهند.

ثانياً: بقدر ما أن وصول المتشددين إلى السلطة في إيران أدى إلى خطاب خارجي أكثر تشدداً وعقائدية، بقدر ما أن أحمدي نجاد يدرك أن وصوله إلى السلطة كان لأسباب داخلية اقتصادية اجتماعية، وكرد فعل على المؤسسة الحاكمة بجميع رموزها التي لم تف بتعهداتها الثورية فزاد البؤس والتهميش، وبالتالي فإن معالجة المشكلة الاقتصادية تبقى أساسية .

وهي تتطلب انفتاحاً على العالم وعلى الغرب وليس علاقات متوترة، مما يضع حدوداً على الخط التصاعدي للأزمة من الزاوية الإيرانية، علماً أن إيران مرتاحة أساساً إلى موقفها القانوني والأخلاقي الدولي في هذه الأزمة.

ثالثاً: تدرك واشنطن أيضاً أن تفوقها العسكري ووجودها في الشرق الأوسط ووضعية القوة الفائقة التي تمثلها، كلها عناصر لها محدوديتها في نهاية المطاف .

وبالتالي تبقى خياراتها بشأن «تشليح» إيران ورقة امتلاك القدرة النووية، أمام طريق مسدود طالما استمر السياق الأميركي الراهن في إدارة الأزمة مع إيران. فالخيار العسكري الذي تلوح به واشنطن بشكل غير مباشر بين الحين والآخر مستحيل، فإيران ليست العراق هذا إلى جانب وجود الملف العراقي المفتوح والتأثير الإيراني القوي والمتزايد فيه .

والتناغم الموضوعي بين واشنطن وطهران في العراق، والخيار الدبلوماسي عبر مجلس الأمن يصطدم بالفيتو الصيني وأيضاً الروسي، والجزرة الأوروبية التي تلوح بها الترويكا غير كافية، طالما أن طهران تتطلع إلى جزرة أميركية أكبر تتضمن إنهاء سياسة التهديد بالعصا الغليظة الأميركية.

رابعاً: ما يضعف الموقف دولياً ويزيد من محدودية التأثير عند واشنطن هو غياب سياسة واضحة تتعلق بمنع الانتشار النووي. فالهند مثلاً لم توقع اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية وتمتلك السلاح النووي ووقعت اتفاقيات مع واشنطن للحصول على تكنولوجيا نووية حساسة، وكوريا الشمالية خرجت من الاتفاقية ويجري الحوار والتفاوض معها، في حين أن إيران عضو في الاتفاقية ويجري تهديدها.

خامساً: المفارقة هي أن إيران تتجه للحصول على المكانة النووية في وقت تحولت فيه القوة الخليجية الأخرى التي كانت تقيم توازناً رادعاً مع إيران وهي العراق، إلى دولة شبه منهارة كلياً مما يخلق وضعاً خطيراً من عدم التوازن العسكري في الخليج ويشكل مصدر مخاوف مشروعة للدول الخليجية وقد يدفع باتجاه بلورة برامج نووية عند البعض الآخر.

سادساً: إن عنوان الأزمة الأميركية الإيرانية نووي ولكن الأزمة لها أكثر من بعد، منها بالطبع البعد النووي إنما الأساس هو حالة الصدام بين رؤيتين ومشروعين للمنطقة ولكيفية ترتيب الأولويات وإدارة المسائل فيها.

فإيران هي الدولة التي تمثل قوة الممانعة الرئيسية لواشنطن في الشرق الأوسط، وبالتالي فتسوية هذه الأزمة تتطلب انتقالاً من حالة الصدام الحاد إلى حالة من الانفراج والتعايش بين الأهداف بالنسبة للطرفين، وتراجع واشنطن عن خطاب تغيير النظام في إيران يشكل بداية لتطبيع الوضع في الحد الأدنى بين الطرفين.

سابعاً: إن التوافق في إطار المؤسسة الاستخباراتية الأميركية الذي ظهر هذا الصيف حول حاجة إيران إلى عشر سنوات أخرى للحصول على القنبلة النووية بعد أن كانت التقديرات السابقة تشير إلى نصف هذه الفترة.

واتفاق التقديرات الجديدة مع تلك الصادرة عن بريطانيا وإسرائيل، كلها تزيد من فترة السماح أمام واشنطن لمعالجة الأزمة في ظل عدم تحمل الشرق الأوسط مزيداً من السخونة حالياً.

ثامناً: أمام محدودية قدرة كل من الطرفين الأميركي والإيراني في تصعيد الأزمة وحسمها حسب خياراتها الأساسية، وأمام صعوبة التراجع في الخطاب الأيديولوجي والسياسي عند كل من الطرفين، الخطاب الذي «يؤبلس» الآخر، يبدو أن الأزمة ستستقر على مستوى من الجمود المتوتر.

ولكن المقيد بضوابط من الطرفين، على أساس نوع من التعايش والتفاهم السلوكي بينهما، وأنها مرشحة للاستمرار مع فترات من الحدة وأخرى من الانفراج، لكنها ستبقى إحدى أهم سمات المشهد الشرق أوسطي على المدى المنظور.

كاتب لبناني