لهجة إيجابية جديدة طبعت خطاب قوى عراقية، فاعلة ومؤثرة؛ في الأيام الأخيرة. وهو تطور نوعي حظي بالترحيب وفتح كوّة أمل وتفاؤل في جدار الظلمة التي تلف الوضع العراقي، ومع أن هذه اللهجة جاءت متأخرة بعض الشيء .
ومقتصرة على المناشدة حتى الآن؛ إلا أنها تشكل خطوة مطلوبة وبادرة من شأنها أن تصبّ في عملية فرملة الفرز المذهبي والحدمن اندفاعه نحو نهاياته الكارثية المعروفة. لاسيما وانه قطع مسافة ملحوظة على هذه الطريق. ومن هنا أهمية الردود التي توالت في أعقاب مجزرة الكاظمية وتوابعها يوم الخميس الماضي. وقد تمثلت هذه الردود بما صدر عن ثلاث جهات:
الأولى، «هيئة علماء المسلمين» التي توجهت بما يشبه النداء إلى جماعة الزرقاوي كي تتراجع عن تهديدها للشيعة ودعوتها الأخيرة لشن «الحرب الشاملة عليهم»؛ بدعوى الثأر لاجتياح تلعفر. الثانية، تمثلت في خطباء الجمعة، من شيعة وسنّة، الذين دعوا إلى توحيد الصفوف محذرين من مغبّة حرب مذهبية قد تعصف بالبلاد.
والثالثة كانت جماعات مسلحة معروفة، قامت بتوزيع بيانات «استنكار» لتهديدات الزرقاوي؛ مع التشديد على الحذر وعدم الانجرار وراء مثل هذه الدعوة «الملغومة» التي «ليست إلا ناراً تحرق العراقيين، سنتهم وشيعتهم على السواء». كما تردد ان بيانات سياسية وحزبية أخرى مماثلة جرى توزيعها؛ وهي تحمل التنبيه والتحذير ذاته من أن هكذا «حرب هي حرب ضد كل العراقيين».
إذاً ثمة هبّة شهدتها الساحة العراقية. على الأقل هذا ما يوحي به تزامن هذه الردود وعلنيتها وتقاطعها عند التعبير عن رغبة في المسارعة إلى لجم الانسياق نحو الفتنة. وهي حالة غير مسبوقة، في المشهد العراقي، منذ وقوع الاحتلال.
وطبعاً هذا التطور مدعاة للارتياح. لكن بقدر ما هو واعد، بقدر ما يضاعف من مسؤولية هذه الأطراف وغيرها في التصدي لرياح الفتنة؛ التي باتت تهب بسرعة تدعو إلى التخوف والقلق.
وأول شروط النهوض بهذه المسؤولية العاجلة، أن يكون الموقف الرافض لدعوات الحروب المذهبية؛ فاتحة لحملة مضادة متواصلة، تستهدف عوامل الفتنة لاقتلاعها من الساحة العراقية. أقل من ذلك تبقى مثل هذه الردود صحوة موسمية بأحسن الأحوال صحوة رفع عتب، ولتؤتي ثمارها لابد من بلورتها وتطويرها؛ بحيث لا تبقى في حدود الشجب والاستنكار فقط، خاصة وأن الدعوات لمثل هذه الحروب.
وبعد كل الذي حصل، أثارت دعوات مضادة تحث على «الثأر» والانتقام. فالوقت من ذهب والحاجة ماسة للتطويق السريع والفعال. وليس بوسع أحد ـ من دون أن يعني ذلك شطب مسؤولية ودور الآخرين ـ أن ينوب عن العراقيين في هذه المهمة. وحدتهم الوطنية هي وحدها سفينة الخلاص ولابد وأن تكون صناعة محلية.