مع احتفال الامم المتحدة هذه الايام بالذكرى الستين لإنشائها، فإن من الممكن القول بان القضية الفلسطينية لازمت المنظمة الدولية منذ انشائها وحتى يومنا هذا: إذ ان ملف هذه القضية كان من اوائل الملفات التي طرحت على الامم المتحدة في اعقاب الحرب العالمية الثانية، وعندما كانت الهجرة اليهودية إلى فلسطين قد بلغت ذروتها والمحاولات الفلسطينية للحفاظ على كيان فلسطين ووحدتها بكافة الوسائل المتاحة في أوجها ايضا.

وقد تجاوزت هذه المحاولات السلطة الانتدابية البريطانية التي سهلت تنفيذ وعد بلفور وارست قواعد المؤسسات اليهودية القوية في فلسطين سواء تلك المهتمة بمختلف اوجه الحياة المدنية، أم المنظمات العسكرية المتميزة تدريبا وتسليحا.

وإذا كانت بريطانيا منذ وعد بلفور تتحمل المسؤولية التاريخية والاخلاقية عن معاناة الشعب الفلسطيني فإن الامم المتحدة هي التي اصدرت شهادة ميلاد اسرائيل عندما صدر قرار التقسيم ثم عندما اعترفت غالبية دول الهيئة الدولية باسرائيل دولة مستقلة.

وربما لم تكن الامم المتحدة تتوقع ان تصل النكبة الفلسطينية الى هذا الحد من الفظاعة، وقد تكون الدول التي صوتت على التقسيم، والاعتراف لاحقا باسرائيل فعلت ذلك اقتناعا منها بأن ذلك هو البداية للتسوية السلمية، إلا ان الاحداث اللاحقة.

وتجاوز القوات الاسرائيلية خطوط التقسيم بين عامي 1948و 1945وضع المنظمة الدولية امام وضع خطير، يتمثل في تشرد اكثر من نصف ابناء الشعب الفلسطيني في ديار اللجوء والشتات، واستيلاء اسرائيل على اراضيهم وممتلكاتهم والحيلولة دون عودتهم الى مدنهم وقراهم.

وانشغلت الامم المتحدة منذ العام 1949 وحتى الان بالقضية الفلسطينية اكثر من اي قضية عالمية او اقليمية اخرى، وخلال العقود الستة الماضية، استقلت دول كثيرة وانحسر ظل الاستعمار عن مناطق شاسعة من العالم، الا ان القضية الفلسطينية ومعاناة اللاجئين الفلسطينيين ظلتا على حالهما، دون اي حل عادل على الرغم من مرور هذا الوقت الطويل.

ويعود السبب الى ان الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة ومن ورائها الولايات المتحدة اتخذتا موقفا رافضا لقرارات المنظمة الدولية واعتبرتاها متحيزة للفلسطينيين والعرب بحجة ان الاغلبية الساحقة من الدول الاعضاء كانت تصوت لصالح الشعب الفلسطيني وتدافع عن حقوقه الوطنية المشروعة.

وتغيرت الصورة بعد حرب تشرين 1973حيث سلمت الدول العربية المعنية بالصراع مع اسرئيل الزمام للولايات المتحدة تحت مقولة ان هذه القوة العظمى تمتلك 99% من اوراق الحل وهكذا تراجع دور الامم المتحدة الى الظل، وتسلمت واشنطن قيادة العملية السلمية، دون منازع وان كانت المواقف الاميركية في معظم الاحيان متحيزة لاسرائيل: سواء داخل الامم المتحدة ام على صعيد التعامل المباشر مع الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي وآخر مظاهر هذا التحيز هو التساهل مع اقامة الجدار الفاصل من جهة والتسامح مع المطامع الاسرائيلية في احتلال مساحة واسعة من الضفة الغربية اقيمت عليها المستوطنات الكبيرة مثل ارئيل ومعالية ادوميم وغوش عتصيون من الجهة الاخرى.

وعلى الرغم من التهميش المتعمد للامم المتحدة، ودورها في العملية السلمية الشرق اوسطية فانها ستظل بمثابة الصوت المعبر عن ارادة الاسرة الدولية، كما انها احد اضلاع اللجنة الرباعية لتسوية الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي وهي قادرة على التأِثير الايجابي على التسوية السلمية، إذا نهض اعضاؤها بمسؤولياتهم والتزاماتهم وفقا لميثاق المنظمة وأصروا على كسر الاحتكار المفروض على جهود احلال السلام العادل والشامل في المنطقة.