.. كان المشهد مؤثراً ورائعاً في تفاصيله.. زغاريد النساء المنطلقة وغناء ورقص الرجال وفرحة الأطفال بالنصر كانت تملأ فضاء غزة وكل الفضاءات العربية مع رحيل آخر جندي إسرائيلي عن القطاع وإخلاء المستعمرات.
12 سبتمبر يضاف إلى أيام مجيدة أخرى في حياة الأمة. العالم شاهد من جديد إنزال العلم الإسرائيلي المقيت عن ساريته ورفع العلم الفلسطيني عاليا والتلويح بشارات النصر خلف من رحلوا بلا رجعة بعد 38 عاما من الاحتلال البغيض.
لحظات الانتصار والفرح يجب الاحتفال بها ولا يجب إنكارها والتقليل من نشوتها رغم الإدراك بصعوبة ما هو قادم وأن ما حدث ما هو إلا خطوة في مشوار وعر وعسير وصعب من أجل تحقيق الحلم بالانسحاب الكامل وإقامة دولة فلسطين على كل الأراضي المحتلة وفي القلب منها العاصمة القدس.
الانسحاب الصهيوني من غزة ندرك أنه خطوة قد لا ترتقي إلى مستوى الأمل المنشود ولكن الفرح مطلوب ورفع الأعلام والتلويح بشارات النصر خلف فلول الهاربين المذعورين من إرادة ومقاومة شعب قرر الحياة أيضا واجب.
إنزال العلم الصهيوني برمزيته الأسطورية والتاريخية لأحلام الصهاينة يحمل الكثير من الدلالات والمعاني التي علينا أن نعيها جيدا. أحلام التوسع والتمدد تبخرت منذ لحظة الإنزال الأولى في بواكير فجر أكتوبر 1973 والتي استصحبها انهيار أسطورة الجيش الذي لا يقهر وبعدها توالت «الإنزالات» و«الهزائم» تحت ضربات المقاومة والإرادة السياسية التي تأتي أحيانا مثل حلم ليلة صيف ثم ما تكاد أن تزول.
في سيناء توالى إنزال العلم الصهيوني بنجمته السداسية الكريهة وفي ابريل 1982 لم يعد له مكان فوقها و من آخر بقعة عربية في مصر وهي طابا كان الإنزال بقوة القانون وبفرض الإرادة الوطنية المتشبثة بحبات الرمل الطاهرة وتحررت آخر بقعة مصرية في 1989.
في لبنان لملم الإسرائيليون كل أعلامهم الدنسة من فوق الجنوب ورحلوا مهرولين في مايو 2000 تحت جنح الليل يجرون خلفهم عار الهزيمة بفعل إرادة ومقاومة لم تنسق خلف أوهام «خيار السلم الاستراتيجي» وتمسكت بمبدأ ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة وهو الشعار الذي تواصلت معه أيضا المقاومة في غزة.
وباقي الأراضي الفلسطينية وجعلت العدو يهرب من هناك ويتبادل جنوده التهاني مبتهجين بالخروج من «الجحيم» إلى حد وصف شيمون بيريز رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بأن احتلال غزة كان خطأ تاريخياً.
الطريق ما زال طويلا واستكمال التحرير هو الاستحقاق المطلوب الآن.. تحرير غزة هو خطوة المارد الفلسطيني في درب البطولة والتضحية والفداء ثم النصر القريب.
ولا تهوين من مشهد «إنزال» العلم الإسرائيلي مهما كانت الظروف والتداعيات.. فإن يشاهد المحتلون علمهم منكسا ومطويا أمر ليس بالهين ولابد أن تترسخ في وجدانهم ثقافة الهزيمة والإنزال المستمر حتى تحين لحظة الأمل الكبرى وبإذن الله تعالى لأولي البأس الشديد بالدخول إلى كامل الأراضي كما دخلوها أول مرة ويقضي أمرا كان مفعولا.
من غزة سوف يستجيب القدر ويطلع الفجر القريب.. فإرادة الشعوب المنتصرة هي التي تكتب التاريخ في النهاية وليس المهرولين الراكضين خلف أوهام التطبيع..ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج. هكذا قال ابن غزة الإمام الشافعي وعلينا أن نتذكرها الآن.