هم قناديل متوهجة في داخلنا.. قناديل أروع من ألف شمس.. وأكبر من ألف شمس.. لأنها في حالة توهج دائم..لا يعرف كسوفا ولا خسوفا.. إن هؤلاء المجموعة المختارة من البشر نوع من النار الإنسانية التي لا تموت رغم أن شرايين قلوبهم جفت.. وفقدت ما بها من قطرات زيت.. وقطرات حب.
عن أهم الوجوه الانقلابية التي غيرت الدنيا وولدت في الخنادق وتحت الأسلاك الشائكة وحولت أفكارها إلى قوة تفجير هائلة.. أكتب.. وأتحدث.. وأعرض الكتاب المصور الجميل الذي يرسم صورهم المشتعلة بالنور في ليل الحرية الطويل. لعل الفجر يأتي مبكرا عن موعده.
الكتاب اشتريته من لوس انجلوس منذ شهور قليلة.. اسمه «الثورة»®. وهو اسم يحمل صدمة في دولة تكره الثورة مثل الولايات المتحدة.. وسعت جاهدة طوال سنوات الحرب الباردة لمحوها من الوجود.. وتلطيخها بكل وسائل التعرية حتى صار الاسم مكروها في بلادنا.. يخشى النطق به أكثر الناس تطرفا وتشددا في التغيير.. فقد أصبح «دقة قديمة».
يضم الكتاب ـ الذي نشره جون ميللر وأرون كيندي ـ خمساً وعشرين شخصية تاريخية لم ينج بعضها من الذبح بخناجر القراصنة وعملاء أجهزة المخابرات السرية الذين غمسوا أيديهم في دمائهم الساخنة واغتالوا زهور التغيير قبل تفتيحها.
. وقد كتب عن كل واحد من هؤلاء شخص مهم قريب منه.. لا يقل قيمة عنه. على رأس القائمة الطبيب البشري تشي جيفارا.. المناضل الأرجنتيني المولود في مدينة روسيريو.. والذراع اليمنى لفيديل كاسترو.. زعيم الثورة الكوبية.. وآخر الرجال الصامدين في وجه العواصف والأعاصير الأميركية.
. وقد ترك جيفارا كوبا بعد أن انتصرت وتغيرت ليصبح داعياً للثورة ومروجا لها في أميركا اللاتينية وأفريقيا.. وقد قتل في 9 أكتوبر 1967 بعد أن طاردته فرق مدربة من المخابرات المركزية انفقت نحو 300 مليون دولار حتى وصلت إليه.. لكن.. موته جعله رمزا للثورة.... والحركة.. وأصبح اسمه كفيلا بأن يحمل المطر إلى المناطق الجافة التي نسيتها الأمطار.. أمطار التغيير.. كما كتب فيدل كاسترو عنه.
وفي الكتاب نفسه يتحول فيديل كاسترو من مؤرخ يكتب عن رفيق ثورته إلى ثائر يكتب عنه كاتب شهير حاصل على جائزة نوبل هو جابرييل جارسيا ماركيز.. ولأنه لايزال يحكم.. فإن تذكير الناس به هو تحصيل حاصل.
ويأتي بعده مالكوم أكس الذي كتب عنه اليكس هيلي. مؤلف رواية «الجذور»®. وصديق السنوات الأخيرة الصعبة.. لقد ولد مالكوم أكس في مدينة أوماها بولاية نبراسكا.. وفي صباه انضم إلى إحدى عصابات الشوارع.. وعوقب بالسجن لمدة عشر سنوات.. تعلم خلالها القراءة والكتابة والسياسة والشعر والخطابة.
. وخرج من السجن لينضم إلى جماعة اليجيا محمد.. وهى جماعة تعبر عن المسلمين السود.. وتحاول التوفيق بين الحضارات الافريقية والأميركية والإسلامية.. وكان ذهابه إلى مكة للحج تتويجا لطاقته الروحية التي استغلها في حشد القوى السوداء كي تحصل على حقوقها المدنية.
. ورغم أنه لم يعش ليرى ثمرة كفاحه.. فإن التخلص منه وهو يلقى خطبه في هارلم (أشهر أحياء السود) كان بمثابة لحظة اليأس التي خرج بعدها العملاق الأسود عن شعوره مصرا على حقوقه. وتحظى ايفا بيرون بمكانة متقدمة في الطابور.. وتكتب عنها شخصية التصقت بها اسمها فيي.. اس.. نابيولا.. لقد شاركت ايفيتا (اسم شهرتها) زوجها جوان بيرون مشوار كفاحه لتحرير بلاده.
. الأرجنتين.. وحكمت معه.. وحرضت النساء على تقليدها.. وربما كان ذلك سر خلودها. ويحترم الأميركيون الآن شخصية لا نعرفها نحن.. شخصية ستينج بول.. زعيم الهنود الحمر الذي قلب حياة جماعات البيض الغازية لبلاده إلى جحيم وكان ذلك في نهاية القرن التاسع عشر.. ومثله في التبت الدلاي لاما.. الراهب البوذي الذي تمرد على تغلغل النفوذ الشيوعي.
. وكان أول من استخدم نصوص ديانته المقدسة لنفي نصوص كارل ماركس وماوتسي تونج.. ومثله في المكسيك بانشو فيللا.. الثائر الغاضب ضد الديكتاتورية التي سيطرت على بلاده في القرن التاسع عشر متمثلة في بورفيرو دياز.. ولكنه.. لم يفلح فيما فعل.. فهاجر إلى الولايات المتحدة ليبقى فيها سنوات قليلة ليعود بعدها إلى بلاده ليجدد دماء الثورة في عروقها.. وليقتل بعد سنوات أخرى من الصمود.. ليكتب تاريخه بالدم..و كتابة التاريخ بالدم هى كتابة يستحيل محوها.
ويحترم الأميركيون الآن أيضا شخصية لا نعرفها نحن كذلك.. شخصية اليزابيث كادي ستانتون.. التي ولدت في نيويورك عام 1815 وقادت حركة تحرير النساء ليحصلن على حقوقهن السياسية والشخصية في وقت كانت سطوة الرجال فيه كاسحة وصادمة .
وهو ما أجبرها على الفرار لبعض الوقت إلى بريطانيا خوفا على حياتها من الاغتيال..وعندما عادت أصدرت صحيفة «الثورة» الأسبوعية التي تحولت إلى منظمة نسائية كانت بمثابة حزب تحرير اجتماعي وصل إلى هدفه يوم حصلت المرأة على حق الانتخاب.
لكننا نعرف امرأة أخرى لعبت دورا في تحرير جنسها.. روزا لكمسبورج التي كتب عنها حفيدها ستيفن أريك برونر. أما جدته فقد ولدت في روسيا و حصلت على الجنسية الألمانية وكانت من أوائل النساء اللاتي انضممن للحركة الشيوعية الألمانية وقبض عليها وقتلت على يد الشرطة السرية بعد المظاهرات الشرسة التي عرفتها برلين عام 1919.
ويكتب تيم بات جوجان عن رجل كافح معه من أجل تحرير إيرلندا.. هو مايكل كولينز.. وقد ولد في بلدة كورك.. عام 1890.. وانضم إلى الجيش القومي الإيرلندي وتدرج في مناصبه حتى أصبح قائدا له.. وكان هدفه هو إعلان الدولة الإيرلندية الحرة.. وقبض عليه.. وقتل عام 1922 لتكون كل قطرة في دمه علامة على طريق طويل لم ينته بعد.
ويكتب ربورتو جو نزيلا عن معلمه فريدريك جارسيا لوركا.. الشاعر الثائر الذي تحولت أشعاره إلى منشورات ثورية تواجه الظلم والفاشية في كل مكان وصلت إليه.. وقد ولد في بلدة فونتو جاروس بأسبانيا..
وتجلت موهبته وبرقت جرأته خلال الحرب الأهلية الأسبانية عام 1936.. وبعدها حملته الجماهير المتعطشة للحرية على الأعناق.. ولم يجد ديكتاتورا مثل الجنرال فرانشيسكو فرانكو مفرا من ان يسكت صوته بالرصاص.. لكنه.. فوجئ بأن موته ضاعف من قوته.. فالشعر عندما تتخلص منه السلطة المستبدة يتحول إلى زعيم وولي من أولياء الثورة.
ويكتب أندريه برينك عن رفيقه في السجن نيلسون مانديلا.. أو زهرة الحرية السمراء ضد الفاشية والعنصرية في جنوب أفريقيا.. لقد ولد في بلدة ترانسكاي في عام 1918 ودرس الحقوق في جوهانسبرج قبل أن يقود حزب الأمة الأفريقية نحو تنظيف بلاده من بقع الابرتهايد ويقضي على فيروساتها..
وكان لابد من أن يدفع ثمنا غاليا من حريته التي حبست في السجون نحو 26 سنة ليخرج بعدها عام 1990 وفي يده ترشيح لجائزة نوبل للسلام التي حصل عليها بعد ثلاث سنوات.. وبعد عام واحد أصبح أول رئيس منتخبا لبلاده.
ويكتب ديفيد هالبير ستام عن هوشى منه.. الفلاح الفيتنامي البسيط الذي حول بلاده إلى مستنقع غاصت فيه القوات الأميركية.. لقد ولد في بلدة كيم لين بفيتنام الشمالية عام 1892 وقد درس الاشتراكية والشيوعية عندما كان في فرنسا التي حاربها وقت أن كانت تحتل بلاده.
. وقبل أن يستريح من عناء مقاومة الاستعمار الفرنسي وجد الاستعمار الأميركي قادما بكل ما توصلت إليه البشرية من أسلحة ثقيلة وخفيفة فكان عليه مواصلة المقاومة حتى نجح في أن يعطى الولايات المتحدة درسا لم تنسه وجعلها تعاني من عقدة نفسية وسياسية اسمها «العقدة الفيتنامية»®.
وعندما مات عام 1969 كانت زهور الحرية قد بدأت في التفتح بعد أن روتها دماء شعبه وسمدت تربتها جثث أهله.إن الأسماء التي أعاد الكتاب إحياء ذكراها كان ينقصها اسم يخصنا.. هو جمال عبدالناصر.. ولا أضيف.
كاتب مصري