أشك أن هنالك أسرة تبلع أي شيء من دون أن تنبس ببنت شفة، لكنني وأسرتي نبلع صاغرين، هكذا علّمتنا أمي، وهي تعلّمت من سقراط: يجب أن نأكل لنحيا لا أن نحيا لنأكل، فلا أحد ينتقد نوعية الطعام ولا مذاقه ولا طريقته ولا شكله، تأكل لتبقى حياً، تأكل ورجلك فوق رأسك، والويل لمن أبدى اعتراضاً أو حتى تبرّع بملاحظة، حتى الذي لا يعجبه الأكل ويختبئ في غرفته، كانت تطارده بالملاّس.
كنت من أشد الكارهين للباذنجان، لكنني في الوقت نفسه آكله وألحس أصابعي، ففلسفة أمي فاقت سقراط: «أليس الباذنجان من نعم الله؟ أليس هنالك أقوام لا يجدون حتى قشر الباذنجان»، وبفضل الفلسفة «الأليْسيّة» صار الباذنجان بالنسبة لي من نجوم الجنة.
ماذا كانت النتيجة؟
النتيجة أنني لا أتعب أحداً، من دعاني على السمك هجمت كالقرش، على اللحم التهمت كالأسد، على الدجاج نهشت كالضبع، من دعاني إلى النباتات قضمت كالبعير، من دعاني إلى الحديد الصلب صهرت كالفرن. لا اعترض أبداً ولا أبدي رأياً مطلقاً، وإذا سألني مضيفي، قلت: لذيذ... لذيذ، فأخرج من عنده وهو جذلان مسرور، فالضيف أكل أصابعه من شدة اللذة.
أسافر مع أحدهم أو أخرج مع الأصدقاء في رحلة شواء، لساني لا يطاوعني لأقول شيئاً غير: لذيذ، يا سلام، ما هذا الطبخ الرائع. الكل مرتاح وأنا أكثر الناس راحة، وهذا ليس مجاملة لأحد، بل لأنني فقدت إحساسي بالطعام، وما عدت أميّز بين المشوي والنيئ، فكل الطعام أجده لذيذاً حتى لو كان من ضريع طالما هو يُسمن ويُغني من جوع.
لكن حين أكون أنا المضيف أو الداعي أو الشاوي أو الذي اقترح المطعم أو الذي اختار الطبق، فهذا ينظر إلى الطعام نظر المغشي عليه من الموت، وهذا لا يأكل المسمار في البرياني.
وهذا لا يحب المايونيز في السندوتش، وهذا يشترط وجود الليمون اليابس في المرق، وهذا يصفرّ وجهه إذا لاحظ السمسم على الفطائر، وهذا لا يحب العسل في العصير، بالطبع هذا كله محسوب علي، فأنا الأحمق الذي دعوتهم، وأنا الذي اضطر إلى البحث عن مخرج لمشكلاتهم، ومقولة «بطن المرء عدوّه»، تصبح «بطن المرء عدوّ الناس».
أقول حين يطفح بي الكيل: يا أصدقائي المشكلة ليس في الأكل ولا فيكم شخصياً، المشكلة أن أمي ليست أمكم، لم تربي أمي بطونكم. لكنهم يتساءلون: وما دخل أمي في الأكل؟ أقول لهم الحكاية وخلاصتها أن أمي أتعبتني لكنكم في راحة مني، وأمهاتكم أراحتكم لكنكم تُتعبون الناس، فيقولون: لكن اللحم ليس طرياً، فأقول: أين ملاّس أمي؟.
Ahmed amiri@hotmeil.com