في زمن المعادلات المقلوبة هذا، يحكى أن ليلى كانت تطارد الذئب من مكان إلى آخر، وأن الذئب كان مختبئاً وراء شجرة وارفة الظلال عندما فاجأته ليلى على حين غرة.
فما كان من أمر الذئب المسكين سوى الفرار منها والاختباء مجدداً وراء صخرة، لكن ليلى الذكية تمكنت مرة أخرى من العثور عليه، فولى الأدبار هارباً واحتمى هذه المرة داخل مغارة على سفح جبل، لكن أين المفر من دهاء ليلى وإصرارها على الإمساك بفريستها والانقضاض عليها؟ فما بقي للذئب من حول أو قوة إلا أن يرجو ليلى قائلاً: استحلفك أن تتركيني وشأني حتى أتمكن من قضاء حاجة لي تكاد تقتلني.
في زمن المعادلات المقلوبة هذا، ليس مستغرباً بالمرة أن نرى الذئب متنكراً بجلد الحمل، متوعداً تارة، ومتوسلاً تارة أخرى أو منصباً نفسه حكماً على القطيع الذي ينحدر منه أو على القطيع الذي يتنكر بجلده، لكنه في جميع الأحوال لا ينشد إلا هدفاً واحداً لا غير وهو افتراس ضحيته، عندما يتسنى له ذلك، أو تضليل هذه الضحية للانقضاض على أخرى.
وتصريحات المندوب السامي لواشنطن في بغداد لا تخرج أبداً عن هذه الحالة أو تلك، حيث يحاول يائساً لفت الأنظار إلى الجانب الغربي من الحدود العراقية، متهماً دمشق بدعم المتمردين في العراق بصورة سافرة .
ومعبراً عن نفاد صبر إدارته حيال الحكومة السورية، ليتردد صدى هذه الكلمات على لسان وزير الدفاع العراقي المؤقت الذي قال إن دمشق هي بوابة الشر بالنسبة للعراق والعراقيين. لكن المرء لا يحتاج إلى دروس في الجغرافيا ليعلم أن سوريا والعراق ليسا بلدين متجاورين فحسب، وإنما كانا يشكلان بلداً واحداً حتى وقت قريبا نسبياً من المنظور التاريخي.
وأن لغتهما ودينهما وماضيهما وحاضرهما ومستقبلهما هي أمور مشتركة بين البلدين، وبالتالي فإنه حتى لو صدقت تلك الأقوال، فمن بوسعه أن يعيب على الجار أن يغار على جاره، وأن يقدم له يد العون كلما استطاع إلى ذلك سبيلاً، لاسيما وأن مصيرهما مشترك بكل ما للكلمة من معنى؟
العيب كل العيب على ذلك القادم من أقصى بقاع الأرض ليقتل ويدمّر ويقوِّم ويرفع من شأن فلان ويحط من شأن علاّن. لا أحد يحتاج إلى منشطات ذهنية كي تساعده على تذكّر أن القائد الثوري عزالدين القسّام لم يكن فلسطينياً، بل قدم من سوريا ليشارك أبناء جلدته في الجزء الجنوبي من وطنه في الدفاع عن بلدهم ضد أشرس هجمة استعمارية شهدها التاريخ،.
ولقد اعتبر القسّام، كما هو طبيعي، بطلاً قومياً لم تخل كتب التاريخ من تمجيد اسمه على مر الزمن، علماً بأن هذا الثائر لم يكن سوى نقطة في بحر قوافل المجاهدين التي تدفقت على فلسطين، لكنها لم تتمكن من طرد الغاصب بسبب وجود وكلاء الاستعمار في تلك الأرض المقدسة وعلى حدودها.
الأمر نفسه نشاهده يتكرر الآن على أرض الرافدين وعند حدودها، لكن مع فارق لا نعتقده بسيطاً بالمرة ويكمن في أن كل من تسول له نفسه مجرد التفكير في واجبه حيال ما يحدث في العراق، فإنه لا يدري من أين تنصب عليه الاتهامات بأنه إرهابي وينتقل اسمه إلى القوائم السوداء ويصبح ملاحقاً وغالباً ما يكون مصيره الإعدام في وطن لم يعد للمواطن فيه من مأوى غير مهادنة السيد وسيده.
مشكلة العرب، كل العرب، تبدأ عندما يأخذون تلك الاتهامات الباطلة على محمل الجد، ومن ثم يخرجون كل ما في جعبتهم لردها عن أنفسهم. لكن ألا يحق لهم التساؤل حول هوية من يطلق تلك الاتهامات وحول من أعطاه الحق في إطلاقها أصلاً.
وكيف للجلاد أن يكون حكماً. لابد من وضع الأمور في نصابها وقلب هذا الوطن الواقف على رأسه لينتصب على قدميه مثله مثل بقية الأوطان ليتسنى له ولأبنائه رؤية الأحداث من الزاوية الصحيحة.