المتأمل للتاريخ يدرك أن أخطر الآفات وأعظم المصائب التي حلت بالأمم والأفراد كانت بسبب النفاق والمنافقين. ولم يبتل عالمنا بآفة، وعبر كل العصور، أشد عبثاً وأثراً على منظومته السياسية والاجتماعية من هذه الآفة.
فعبر التاريخ الإسلامي شكل المنافقون الخطر الأكبر على الإسلام والمسلمين؛ خطراً كان يتعدى في مضاره، في أحيان كثيرة خطر الكفار والملحدين، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه مات طعناً نتيجة تواطؤ الهرمزان، ذلك الرجل الذي أشهر إسلامه على يد عمر وأبدى ولاءً ومحبة متناهية، مع أبي لؤلؤة المجوسي. وبغداد سقطت على يد هولاكو بسبب نفاق وزير الخليفة العلقمي.
حيث مات الملايين من المسلمين على يد هولاكو وحطمت رموز ثقافية ودينية كانت تحويها بغداد بسبب الهجوم البربري الذي كان لا يمكن أن يحدث، كما تشير إلى ذلك الوقائع التاريخية، لولا نفاق وتواطؤ العلقمي مع العدو، ومن المخاوف الكبيرة التي كنت تسكن فكر وقلب الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته بعد موته هو الخوف من خطر المنافقين.
وقد قال عليه الصلاة والسلام لبعض صحابته «إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي منافق عليم اللسان». وقد فسر علماء المسلمين المنافق عليم اللسان بأنه ذلك الشخص العالم للعلم ومنطلق اللسان به، لكنه شخص جاهل القلب والعمل، ضعيف القيم، تحكم سلوكه المصلحة الشخصية وليست الجمعية.
وما أكثر هؤلاء اليوم فيما بيننا؛ فهم منتشرون مثل السرطان في جميع المؤسسات ويعملون بجهد ومن دون كلل، فقط لتأمين مصلحتهم، حتى وإن كانت على حساب الغير أو المؤسسة نفسها. اليوم محترفو الصعود على أكتاف الآخرين، المتمرسين في نفخ الشخصيات الفارغة وتأليهها آخذون في الصعود واعتلاء المناصب.
ونفاقهم لا يتوقف بعد اعتلاء المناصب بل يظل مستمراً وأكثر حنكة وشراسة من أجل الحفاظ على المنصب، وذلك لأنه لم يصل إليه كفاءة بل تملقاً وكذباً، وتنازلاً عن قيم ومباديء إنسانية جليلة. وخطورة النفاق تكون مضاعفة عندما يمتد لأوساط المثقفين وحاملي راية العلم والتعليم.
والذين من المفترض أنهم يمثلون ضمير مجتمعهم ومسؤولون فيه عن غرس وتعزيز المبادئ الأخلاقية السامية، حيث ترى منهم رجالاً يحملون أرفع الدرجات العلمية غير أنهم يخلعون أردية الحق ويهللون ويهتفون بالتبجيل والعظمة لكل من هو في مركز مالي أو ثقافي قد يستفيدون من.
كما تجدهم يضفون ألقاباً مثل المفكر العظيم أو الخبير العلامة أو المتحدث الفذ على أناس جافتهم الخبرة والمعرفة، أو تجدهم أحياناً يتغيرون بتغير النظم والسياسات في المؤسسة التي يعملون بها، يهللون لكل نظام جديد، وتتبدل آراؤهم وقيمهم بتبدل النظم.
ومنهم من يتلوَّن في اليوم الواحد بمئة لون ووجه؛ يضع قناعاً تلو الآخر حسب الموقف وحسب الطرف الآخر الذي يتعامل معه؛ حيث يحكم تعامله مبدأ واحد هو الحفاظ على مصلحته الشخصية، حتى وإن كان ذلك على حساب دمار وخلخلة المؤسسة والدولة التي وفرت له الاستقرار والأمان الوظيفي.
إذا كان المنافق العادي يستخدم ذكاءه لتزييف الحقائق والوصول لمآربه، فإن المنافق «المثقف» حامل راية التعليم والتنوير يستخدم، بالإضافة لذكائه، سلطة المعرفة التي تحققت له بالشهادة العلمية التي حصل عليها، حتى وان كانت معرفته فقيرة ومشوهة وعلى قدر عزمه المتواضع.
ومثل هؤلاء لا يضيفون إلى العملية التعليمية والثقافية ما يستحق الذكر، بل انهم يعملون على تشويهها وإفراغها من محتواها النبيل؛ هم بسلوكهم هذا يعملون على خلخلة العملية التعليمية والثقافية من خلال قلب المعايير وتشويه الحقائق.
أمثال هؤلاء يعانون من تعطل في أنساقهم الأخلاقية، ويعملون على إفقاد التعليم والثقافة معناهما الحقيقي والمتلخص في كونهما أنشطة بشرية دافعة للتقدم والتطور.
أمثال هؤلاء بما يقومون به من سلوك يسعون في الحقيقة إلى تقويض الأهداف المركزية للتعليم والثقافة. فالمواقف التي يتخذونها من تطبيل وتهليل أو إبداء الموافقة على قرارات تتخذ في مؤسساتهم، ولا تكون في جانب المصلحة العامة، هي التي تلعب أدواراً سلبية وذات تأثيرات معيقة لنمو المجتمع الصحيح.
كما أن إحجامهم في الغالب عن قول الحق، خوفاً من أن يفقدوا شيئاً من مراكزهم أو امتيازاتهم، له هو الآخر تأثير سلبي على ترسيخ قيم العمل الإيجابية في المؤسسات. إن أمثال هؤلاء ربما يجهلون بسلوكهم هذا أنه وفي كثير من الأحيان، قد ينقلب السحر على الساحر.
فالقيم السلبية التي يغرسونها يحصدون غرسها يوماً ما انطلاقاً من أنهم يحاولون إلغاء القيمة الحقيقة للإنسان ومواقفه النبيلة ويعززون المصلحة الفردية، وحين يأتي من هو أقوى منهم على رأس تلك المؤسسات معززاً بمنظومة القيم نفسها تلك التي تحكم سلوكهم المنافق، لن يتوانى عن الإلقاء بهم إلى الحضيض الذي يستحقونه، غير آبه بالدمار الذي سيصلون إليه.
وهنا نذكر ما آل إليه مصير ابن العلقمي عندما استدعاه هولاكو ليكافئه، وكان الآخر ذكي يعرف هذا الصنف من البشر. فقال له: ما الخير الذي نرجوه منك لو أعطيناك كل ما نملك؟ أنت لم تصن أهل ملتك فكيف ستحسن إلينا وأنت مخالف لملتنا، فنحن لا نرى لك جزاء إلا قتلك، وأمر بقتله في الحين.
إن المنافقين الوصوليين من حملة الشهادات العليا لا يرجى منهم نفعاً ولا فائدة، فالقيم التي تحكم سلوكياتهم المريضة لا تخلق مفكراً عظيماً ولا مبدعاً فذاً، حتى وان انطلقوا في اعتلاء المراتب وتأمين مصالحهم لوقت طويل، فهم سرعان ما يتلاشون في فضاء العلم الحق والثقافة الرصينة. وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح ولا تدوم غير الحقيقة.
جامعة الإمارات العربية المتحدة