إنها «إعادة انتشار» ليس إلا هكذا وصف المفكر الاستراتيجي الفلسطيني مصطفى البرغوثي عملية انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة.وهذا الوصف الموجز يفصله أحد كبار قادة السلطة الفلسطينية.
يقول محمد دحلان وزير الشؤون المدنية في السلطة إنه بالرغم من انسحاب الجيش الإسرائيلي فإن قطاع غزة لا يزال محتلاً.ويضيف دحلان إن احتفاظ الاسرائيليين بقدرتهم على اجتياح القطاع مرة ثانية وبسيطرتهم على الأجواء والمياه والحدود والمعابر «لا يمكن لنا أن نقول أن احتلال غزة قد انتهى».
لكن إذا كانت هذه هي الرؤية الرسمية لقيادة السلطة الفلسطينية تجاه ما يطلق عليه شارون «خطة فك الارتباط» فالسؤال الذي يطرح تلقائياً هو: ما هي إذن خطة السلطة الفلسطينية.
الوزير دحلان يقول لنا متباهياً إن إسرائيل «تضحك على نفسها أو توهم نفسها» لو اعتقدت بعد كل ذلك ان احتلالها لقطاع غزة قد انتهى، وللأسف فإن طرح المسألة على هذا النحو الاستخفافي ينطوي على نوع من التهرب من مواجهة المسؤولية الوطنية. فالطرف الذي يقتات بالوهم ليس إسرائيل وإنما هو قيادة السلطة الفلسطينية ذاتها.. لأنها ليس لها حتى الآن استراتيجية نضالية محددة ضد الحالة الاحتلالية.
المخطط الاستراتيجي الإسرائيلي ليس واضحاً فحسب بل إن مؤلفه آرييل شارون لا يوفر مناسبة محلية أو دولية إلا وصرح بالمخطط وأهدافه. ثم إن ترجمة المخطط إلى وقائع على الأرض لا يمكن أن يكون خافياً. فالوقائع تتحدث بنفسها عن نفسها.
حتى هذا الأسبوع كرر شارون للمرة الألف على شاشات التلفزيون ان الكتل الاستيطانية الكبرى المقامة على أراضي الضفة سوف تضم إلى إسرائيل لتكون جزءاً لا يتجزأ من كيان الدولة اليهودية.
على الطرف الآخر يحصر رئيس السلطة الفلسطينية محمود أبومازن كل مراهنته على وهم بأنه في يوم ما من المستقبل قد تعقد عملية تفاوضية مع الإسرائيليين في إطار مشروع وهمي يطلق عليه «خريطة الطريق».
ويرد شارون على هذا الوهم باشتراط شرط مستحيل على السلطة الفلسطينية.. لأنه يعني عملياً حتمية وقوع حرب أهلية بين قوات السلطة وفصائل المقاومة فشارون يشترط على السلطة القضاء على هذه الفصائل قبل إجراء أي تفاوض.
ما يستخلص من كل هذا أنه في غياب استراتيجية فلسطينية محددة لمجابهة الاحتلال فإن الأمر بات مسألة وقت فقط قبل أن تتمكن إسرائيل من استكمال تطبيق مخططها لضم القسم الأعظم من أراضي الضفة إلى السيادة الإسرائيلية في حين يبقى قطاع غزة سجناً كبيراً معزولاً عن الضفة وعن العالم.
وإذا لم تسارع قيادة السلطة إلى وضع استراتيجية جريئة بالتوافق مع قادة الفصائل فإنها ستضع نفسها قصداً أو دون قصد في موضع تواطؤ.
ومما يدعو إلى الريبة أن أبومازن قال في أحدث تصريحاته إن السلطة الفلسطينية لا تعتزم صداماً مسلحاً مع فصائل المقاومة ـ لا لأنها ضد مثل هذا الصدام من حيث المبدأ وإنما لأنه لا يتوافر لقوات السلطة حالياً «استعداد» كافٍ.فهل يكون من المبالغة إذا قلنا إن قيادة السلطة تضمر نوايا خطيرة تجاه الفصائل لتنفيذها في وقت ما من المستقبل.